الأربعاء 22 يناير 2020
مجتمع

ذاكرة جامع لفنا بمراكش: حلقة مول لحمام " أبا الشرقاوي" ورفيقه " بلفايدة " (24)

ذاكرة جامع لفنا بمراكش: حلقة مول لحمام " أبا الشرقاوي" ورفيقه " بلفايدة " (24) مواد حلقة مول لحمام تجمع بين طرائف ومستملحات مراكشية لطيفة، وبين الزجل الماتع من فن الملحون وخلافه

بدون منازع حققت صفحة " مراكش مدينة الألف سنة " التي أحدثها عاشق مدينة سبعة رجال ، الأستاذ "مراد الناصري" سنة 2017 ، بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، أهدافها المتعلقة بالنبش في ذاكرة المدينة الأسطورة ، ونفض الغبار عن تراثها العظيم بالكتابة والصورة، وفتح أبواب شخوصها و معالمها العمرانية والتاريخية بمفاتيح الحضارة الإنسانية. " لقد راهنت على إبراز أهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الجانب الإيجابي، وتمرير رسائل مهمة للجيل الحالي على جميع المستويات، فضلا عنمشاركة ساكنة مدينة الحمراء عشقهم لحضارة مراكش..." يؤكد مراد الناصري.

فعلا إن المبحر في صفحة "مراكش مدينة الألف سنة" يجدها تجربة رائدة في استثمار موقع الفيسبوك إيجابيا، حيث نعتبر أنها جديرة بالمتابعة والتعميم والمواكبة الإعلامية، وتقاسم مواضيعها النادرة مع قراء جريدة " أنفاس بريس"، لتعميم الفائدة طيلة شهر رمضان الأبرك.

لقد كانت هذه الحلقة من أنجح الحلقات (لحلاقي) في تاريخ ساحة جامع الفنا بمراكش؛ حيث كانت تقام أمام جامع خربوش، وتنشط من طرف الشرقاوي الذي دأب الناس على مناداته ب "با الشرقاوي"، لكن اللقب الذي اشتهر به وصار ملازما له هو "مول الحمام"، وكان يرافقه في تأثيث فضاء هذه الحلقة زميله الضرير "بلفايدة".

الشرقاوي كان خديما لفرقة "هداوة"، التي تنتسب إلى طريقة صوفية للشيخ سيدي هدي، ولازم المجاذيب حتى صار مجذوبا، عشق الركيلة الهداوية، ولم تفارقه طيلة حياته .

كانت حلقة الشرقاوي وابن فايدة تتميز بالحديث عن الحيوانات والطيور، في حوار يبدأه الضرير بقوله: "آها آها اللي عندو بنت وما عطاها (زوجها) يلعن باه وباها"، ليتحدث عن الأرزاق "رزق الجوف يبات فيه وقادر من خلق ولد الحمامة فالعش يرزقو ما يخليه".
ما كان يصنع تميز هذا الثنائي هو التنوع والعمق الكبيران اللذان اتسمت به حلقتهما التي كانت موادها الرئيسة تنتقل بين طرائف ومستملحات مراكشية لطيفة، إلى الزجل الماتع من فن الملحون وخلافه، وأقوال بعض الصالحين وأهل الذكر، إلى حكم وقصص تحاكي معاناة حياتية كبيرة وعمقا سحيقا في فهم تقلبات الدهر وتصاريفه العجيبة، والأجمل أن هذه الحكم والمواعظ كانت تأتي في الكثير من الأحيان على لسان الحيوانات، في محاكاة مبدعة لرائعة كل الأجيال "كليلة ودمنة"؛ بيت الحكمة الهندي الخالد الذي ترجمه لنا الأديب عبد الله بن المقفع وظل مقامه ساميا في الأدب الإنساني إلى يوم الناس هذا...
وكانت اللازمة التي لا تفارق لسان الشرقاوي "مول الحمام" والتي ما فتئ يمحضها لرواد ومرتادي حلقته على سبيل النصيحة:

(لا تغركم الدنيا راه حرامية دايرة بحال شي فتيلة؛ ها هيا شعلات، ها هيا طفات).