السبت 19 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

محمد أكديد: بين نصرة القدس وبيعها

محمد أكديد: بين نصرة القدس وبيعها محمد أكديد

بعد عقود من التستر والتآمر في الكواليس، خرجت نيات بعض الحكام العرب إلى العلن لتفصح عن تبعيتها وانبطاحها للمشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة، والذي يضع اليوم في أولوياته تصفية القضية الفلسطينية بكل أبعادها المادية والمعنوية.

ورغم توحد القيادة الفلسطينية وكل فصائل المقاومة على رفض ما سمي بصفقة القرن، نجد المبعوث الأمريكي كوشنير يطوف دون كلل على عدد من العواصم العربية لحث زعمائها على دعم هذه الصفقة المشبوهة، والتي لن تكون حتما في مصلحة الفلسطينيين ليس فقط، حسب بعض التسريبات التي خرجت بتفاصيل مستفزة، ولكن أيضا لأنه لا يمكن ائتمان الذئب على الغنم، خاصة وأن الدول التي تخطط الآن وتشحذ لهذه الصفقة هي نفسها التي عملت على تضييع حق الشعب الفلسطيني في أراضيه أو ساهمت في حصاره وتجويعه وتآمرت على قضيته.

بعض دول الخليج تمر اليوم إلى السرعة القصوى لتصفية هذا الملف المفتوح لعقود إرضاء لأسيادهم الأمريكيين والصهاينة عبر عقد سلسلة من اللقاءات السرية والمؤتمرات العلنية لحشد الدعم ضد كل من يعارض أو يعمل على تعطيل إتمام هذه الصفقة كحلفاء محور المقاومة في المنطقة تتقدمهم إيران، إلى الحد الذي تمت فيه دعوة أمير قطر إلى مؤتمر مكة رغم الخلافات العميقة بعد مهزلة الحصار الذي فرض على قطر!

ومن المفارقة أن يصادف هذا التحشيد اليوم العالمي للقدس، والذي سنه الإمام الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ليتجدد في الجمعة الأخيرة من كل رمضان، حيث دعا أيضا رحمه الله إلى أن يخصص الأسبوع الأخير من كل رمضان إلى العمل على دعم مساعي الوحدة الإسلامية، في الوقت الذي ما فتئت فيه بعض دول الخليج تعزف على أوتار الطائفية والخلاف لتشتيت هذه الأمة ورهن شعوبها لأجندات خارجية لا تراعي إلا مصالح الغرب الاستعمارية والصهيونية العالمية.

ورغم سقوط كل رهاناتهم البئيسة في كل الدول التي تم استهدافها كسوريا والعراق ولبنان واليمن.. وسقوط هيبتهم وآمالهم الوهمية معها، يبدو أنهم عازمون لا محالة على استكمال هذا الطريق المظلم مهما كلفهم ذلك من خسائر قد تطال عروشهم إن لم يتبصروا بالعواقب في الوقت المناسب، خاصة وأن البعبع الإيراني الذي تخوفهم به أمريكا لم يتردد وغير ما مرة في مد يد الصلح والإعلان عن حسن طويته بطي صفحة الماضي وتطبيع علاقات جديدة مع كل من يستعديه في المنطقة، درءا للفتنة الطائفية التي يحاول البعض إشعالها في كل فرصة تتاح، ولكي يفوت الفرصة على أمريكا ودولة الكيان الصهيوني اللذان يتقنان لعبة الاصطياد في الماء العكر.

لم تكن السعودية لتحتاج إلى كل هذه القمم، واحدة عربية، وواحدة إسلامية، وواحدة خليجية لو أرسلت وفدا واحدا إلى طهران لفتح حوار مباشر مع القيادة هناك، أو على الأقل قبلت وساطة العراق في هذا الملف. لكن يبدو أن صقورا أجانب يقبعون خلف المشهد، ويحركون خيوط اللعبة من بعيد، لتمشي الرياح بما لا تشتهي السفن.

لكن لغة التحشيد والتحريض أيضا لم تعد صالحة، وقد استنفذت كل مفعولها بعدما سمي بالربيع العربي، وكانت لها تداعيات وخيمة أحرقت الأخضر واليابس ودمرت دولا كنا نعتز بها بالأمس كنموذج للحضارة والرقي وعنوانا للعزة والكرامة.

وقد أثبتت إيران وحلفاؤها في المنطقة كفاءتهم وقدراتهم على النزال في كل الميادين التي فرضت عليهم فيها المواجهة. ورغم الحصار الاقتصادي الذي عانت ومازالت تعاني منه الجمهورية الإسلامية الصاعدة في إيران لعقود تلت ثورتها، والحملات الإعلامية الشعواء لشيطنتها وتشويه صورتها في الخارج، خاصة داخل البلدان العربية من بغداد إلى الرباط، لم يفلح كل ذلك من النيل من عزيمتها أو دفعها إلى التخلي عن حلفاءها وعن قضايا الأمة المصيرية وفي مقدمتها القدس.

اليوم، وبعد أن استنفذت أمريكا نفسها كل الخيارات ضد إيران، بما فيها الخيار العسكري الذي لم يعد متاحا او واقعيا في الوقت الراهن. ألم يحن الوقت لطي الصفحة وتجاوز أخطاء الماضي، والانفتاح بحسن نية على هذا البلد، بل هاته الحضارة التي أعطت الكثير للإسلام والمسلمين مما يتجاوز حتما إسهامات العرب، وفي كل المجالات بدءا من اللغة والفقه والأدب إلى العلوم الحقة والتجريبية كالرياضيات والفلك  والطب..؟

قد يفكر بعض العرب بالضرورة في هذا اليوم لتجاوز الخلافات الوهمية، وتفاديا لمفاجآت المستقبل. لكن التفكير وحده لم يعد كافيا، خاصة في ظل التحشيد والتحريض الذي تمارسه بعض الدول الخليجية نيابة عن أمريكا وإسرائيل مما قد ينذر فعلا بإشعال المنطقة بعد انحراف مسار بوصلة الصراع العربي الإسرائيلي نحو صراع سني شيعي افتعلوه لتقسيم بعض الدول العربية والإسلامية وإضعاف نفوذها تمهيدا لإنجاح مخططاتهم الاستعمارية الجديدة في المنطقة.

فهل يستفيق العرب والمسلمون من هذه الغيبوبة التي كلفتهم وقد تكلفهم الكثير مستقبلا، أم سيندبون كالعادة حظهم العاثر كالثور الأحمر؟!

- محمد أكديد، باحث في علم الاجتماع السياسي