الجمعة 23 أغسطس 2019
كتاب الرأي

الفاسي الفهري: لماذا يعمد السياسيون إلى التقليل من أهمية اللغة، في التعليم وغيره؟

الفاسي الفهري: لماذا يعمد السياسيون إلى التقليل من أهمية اللغة، في التعليم وغيره؟ عبد القادر الفاسي الفهري، أستاذ باحث في اللسانيات العربية المقارنة
صحيح أن التعليم تمرغ في مشاكل من كل جانب، أولها فقدان الأطر المؤهلة لإنتاج الجودة التربوية، وثانيها ضمور العدالة الاجتماعية، وثالثها ضعف القرار، ورابعها اختلال الحكامة، وخامسها ضعف الثقة في الفاعلين، الخ، واللائحة أطول بكثير.
إلا أن قياس السياسة اللغوية، والعدالة والحكامة فيها، وانعكاس ضعف تنمية اللغة على التنمية عموما، وغيرها من النتائج المتولدة سلبا يجعل استخفاف الحكومة بأهمية اللغة غير واع بما يترتب من سلبيات قطاعية وعامة.
"اللغة قبل الدين"، لأنك يمكن ألا تصلي، ولا تصوم، ولكنك لا يمكن أن تكف عن 'اللَّسن' أو 'اللغو'، لأان "اللوكوس" هو مدخل الاجتماع الأول. وقد يكون جارك يهوديا فتنقطع الصلة الدينية إذا كنت مسلما، ولكن كلا منكما يتصل مع الآخر باللغة. والدولة يمكن أن تكون بدون دين، ولا يمكن أن تكون بدون لغة. والأفراد والجماعات كذلك. 
و"اللغة قبل القبيلة"، لأن الاتصال قد يتم باللغة حتى إذا اختلفت القبيلة. وتفقد القبيلة دورها كلما توطنت اللغة، أي تحولت لأن تكون لسان التداول في الوطن، وليس لسان قبيلة داخل الوطن، الخ، الخ.
غريب أن يفكر وزير التربية ورئيس الحكومة في أن الأولوية في التنمية هي تقوية لغة أجنبية ليست هي اللغة العالمية الشاملة. فحتى لو كان الأمر يتعلق بهذه الأخيرة، فإن تقويتها لا يتعلق بتدريس العلوم والتقنيات. هذا منطق غريب، لأن الذي يتعلم لغة أجنبية لا يتقنها إلا عبر ما يسمى 'اللغة العامة'، ومضامينها أدبية وإنسانية واجتماعية. وأما اللغة العلمية، فهي 'لغة مختصة'، ولا يتعلمها إلا من يريد الاختصاص في علم بعينه. وقد أثبت الدراسات الجادة أن التعليم العلمي والتقني لا يؤثر على المعرفة اللغوية (إلا بصفة هامشية أحيانا). ثم ما علاقة تجربة بلجيكا أو غير ها بتجربتنا؟ لا أمة متقدمة أو صاعدة تخلت عن لغتها في التدريس العلمي من أجل فسح مجال احتكار السوق للغة أجنبية وحدها، حتى ولو كانت هي اللغة العالمية. 
ثم هب أن هذا المنطق صحيح. أليس من الغريب أن ينشغل المسؤولون برسم برنامج لتقوية لغة أجنبية ذات مرجعية ناقصة بإضعاف اللغة الوطنية ومنعها من تدريس هذه المواد، وجعل الشغل والفرص محصورا في هذه اللغة غير الكافية؟
ثم ما دور التلويح "بالتناوب اللغوي"، الذي كان من المفروض أن يخدم اللغة الوطنية أولا، في وقت تتم فيه "الفَرْنَسة" الشاملة المفترسة؟ 
نطلب لرئيس الحكومة الهداية، وكذلك لوزيره في التربية. فقد كان الأولى أن يبشرنا في شهر فضيل مثل هذا، بخدمة لغة القرآن، عوض إحباطنا بالإعلان عن الفرنسة الأحادية الشاملة، التي تبعدنا كل البعد عن نموذج السياسة اللغوية التنموية، وهي لا تقوم إلا بتقوية مكونين رئيسيين في تعليم المواد العلمية، اللغة العربية واللغة الإنجليزية. فاللهم أعده (ووزيره ومجلسهم مبدع "التناوب") إلى السبيل المستقيم! آمين يا رب العالمين!