الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
مجتمع

الباحث العيدوني يوضح أسباب كسل الموظفين في شهر رمضان

الباحث العيدوني يوضح أسباب كسل الموظفين في شهر رمضان الأمين العيدوني، ومشهد من إدارة عمومية
قال الأمين العيدوني، أستاذ باحث في تصريح لـ "أنفاس بريس " إن رمضان ومنذ قرون خلت لم يكن مرادفا للكسل، مشيرا إلى أن الناس كانوا يتوجهون إلى أعمالهم كالزراعة والتجارة والرعي، والصيد إلخ، أو إلى التحصيل العلمي بالزوايا والمساجد والمدارس العتيقة، يضبطون إيقاع أنشطتهم على أوقات الصلاة، ابتداء من الفجر إلى أذان المغرب، ولم تكن لياليهم – يضيف - سوى فرصة للاستراحة من عناء العمل للاستيقاظ باكرا ومعاودة نشاطاتهم.
هكذا كانت تسير الحياة في شهر رمضان عندما كان المغرب لا يمثل سوى تجمعات قروية أو مدنية بسيطة عبر تاريخه. ولم يتغير مفهوم الصيام والعمل في نهار رمضان ويحل محله مفهوم الكسل، إلا في حدود النصف الأخير من القرن العشرين – حسب العيدوني - عندما دخل مصطلح الوظيفة العمومية وطبع الحياة العامة. فانزاح رمضان تدريجيا عن مفهومه المتعلق بالصيام والعمل نهارا إلى شهر تطبعه الطقوس الاستهلاكية والاحتفالية المتعلقة بالليل، كرّستها وسائل الإعلام عبر إنتاجاتها الرمضانية التي جعلت منه شهر السهر والاحتفال. فانتقل النشاط الاجتماعي من النهار إلى ساعات متأخرة من الليل، ولم يعد الاستيقاظ الباكر لطلب الرزق اليومي هاجسا يؤرق ملايين المواطنين، بما أنهم موظفون، وأجرتهم ستدفع في كل الأحوال.
وأشار العيدوني جوابا عن سؤال لجريدة"أنفاس بريس" حول تراجع مردودية الإدارات والشركات خلال الشهر الكريم بمبرر الصوم، أن تعارض نمط العيش الرمضاني والروتين اليومي للموظفين يؤثر سلبا على منظومة العمل الإداري في المرفق العمومي، مضيفا أنه بحلول الستينيات من القرن الماضي، تحول المجتمع المغربي من مجتمع قروي إلى مجتمع مدني، بما حملته المدنية من تحول في الأنشطة التقليدية وتعويضها بأنشطة حديثة كالصناعة والخدمات والوظيفة، وما تلاها من تحول في العلاقات الاجتماعية، وفي منطق الاستهلاك.
فالنشاط الإداري الذي هو أساس كل الأنشطة في المغرب – يوضح العيدوني - ينخفض كثيرا في هذا الشهر، وليس بسبب الصيام. فالصيام كما فرضه الله هو طريقة يتعبد بها الإنسان ويتقرب بها إليه، ويمكنه أن يجتهد فيها إلى أبعد مدى، كما يجتهد في صلاته أو في زكاته وصدقته. ولا يمكنه أن يؤثر سلبا على نشاطه المهني. والدليل هو المجتمعات القروية التي تتواجد في أقاصي المغرب، والتي مازالت تحافظ على طابعها التقليدي ولا علاقة لها بالوظيفة والادارة، فلا يؤثر الصيام على نشاطاتها التقليدية، لأنها لا تعطيه تلك الهالة الاستهلاكية التي أعطيت له في المدن.
وعن سبب انخفاض الإنتاج خلال شهر الصوم أشار العيدوني، أن سبب الانخفاض في النشاط والجنوح إلى الكسل هو التقليل من ساعات النوم، بسبب العادة الاجتماعية، وتحت ضغط وسائل الإعلام التي تكثف برامجها المسائية إلى ساعات متأخرة، وكذا أماكن الترفيه التي لا تقفل أبوابها إلا متأخرة، بل حتى المصالح المركزية- يقول العيدوني - تكرس هذا التوجه وتشجعه بالتقليل من ساعات العمل. فلا يبدأ النشاط الإداري إلا في التاسعة صباحا، وينتهي قبل الرابعة في أفضل الحالات، بدوريات ومذكرات رسمية.
هذا التوجه العام يعطي لجميع الموظفين الإحساس بالكسل القانوني، والتهاون في تسيير المرافق العمومية ، وأن نهار رمضان ليس سوى فرصة للاستراحة من سهر ليله. ولا يظهر النشاط إلا قبيل أذان المغرب، أي في الأسواق بعيدا عن المرفق العمومي، ويستمر إلى ما بعد منتصف الليل وهكذا دواليك لمدة شهر كامل.
كما حذر العيدوني من تداعيات حالة الإستثناء التي يعيشها المغرب في هذا الشهر من كسل مؤسساتي وفردي، وتراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك على التنمية، وهو الأمر الذي يتعارض مع منطق العولمة والتنافس الاقتصادي الدولي الذي يقتضي العمل لساعات طويلة يوميا طيلة السنة حتى تحقق دولة ما أهدافها في التنمية، موضحا بأن آثار تراجع مردودية الموظفين خلال شهر رمضان لا تظهر مباشرة للعيان بسبب غياب الدراسات الاقتصادية أو عدم انتشارها بين الجميع، مؤكدا أن طبقة الموظفين الوسطى في المغرب توجهت منذ مدة عن غير وعي إلى الخروج بشهر رمضان عن فلسفته الحقيقية، رغم الهالة الدينية التي تضفيها عليه.