الاثنين 24 فبراير 2020
منبر أنفاس

مولاي عبد الحكيم الزاوي: في الحاجــة إلى الدرس الأنثربولوجي( الجزء الثاني)

مولاي عبد الحكيم الزاوي: في الحاجــة إلى الدرس الأنثربولوجي( الجزء الثاني) مولاي عبد الحكيم الزاوي
 

تغدو الغاية اليوم ملحة لصياغة تصورات أنثربولوجية حول بنية المجتمع المغاربي، في ظل كل ما أنتج عنه من اهتمامات مباشرة أو غير مباشرة، ومحاولة الوقوف على حقيقة بنياته الاجتماعية والسياسية والدينية، وكيفية ترابطها وتواجدها. باعتبارها عناصرمحددة، مميزة لفاعلية الحقل السوسيوسياسي المغاربي. لا يفهم من هذا القول القيام بدراسة عامة وشاملة عن البنيات المغاربية في فترة ما قبل الاستعمار وما بعده، من زاوية الفرضيات الأنتربولوجية التي تناولها، بقدر ما يفهم رسم خطوط متغيرات الخطاب الأنتربولوجي في فضاء المغارب، ومحاولة تأطير بعض الإشكالات الكبرى التي يثيرها تعامل الباحث مع الحقل الأنثروبولوجي، لاسيما وأن بعض الظواهر والممارسات الاجتماعية لازالت ماثلة أمامنا في شكل مظاهر وأنماط سلوكية، يعاد بناؤها من جديد في زمننا الحاضر، مما يجعلنا نقبل على الأقل بإجرائية المفاهيم الأنتربولوجية لفهم مخاضات الحاضر بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و العقدية.

إن الموقف النظري الذي يجب على الباحث أن ينطلق منه يجب أن يتم من خلال التراكم الأنتربولوجي المرتبط بهذا المجال، على اعتبار أن كل مجهود يبدل لفهم حركة النصوص الأنتربولوجية، يعتبر واحدا من مكونات فهم النسق الاجتماعي ومدخلا له، لذلك وبدافع الوعي العلمي، ينبغي أن نكون على بينة بضرورة الأسلوب التحكمي الذي سنتتبعه في عملية الانتقاء، وهو أسلوب اعتباطي، مادام فهم هذه النصوص يدخل فيها وعي الباحث وذاتيته، بما هو أساسي من حركة النص، في تفاعله مع ما هو معروف من المحتويات.

 إعادة استنطاق التراث الأنتربولوجي المنجز عن بنيات المجتمعات المغاربية هو في المحصلة اسهام في  فتح جبهة للجدل، وإثارة لبعض القضايا الكبرى في التنظير الأنثروبولوجي، من خلال ما استعمل من نظريات لفهم نسق المجتمع المغاربي، وبالتالي، نعتقد أن خلق نقاش جديد حول هذا الموضوع، على الرغم من خصوصية المنظور الذي ننطلق منه،  يساهم في خلق وبعث نوع من الوعي بالذات، وضرورة كشف ملابسات تحطمها، وتأويل وقائعها وتطوراتها ورموزها ودلالاتها حسب معايير المنهج التاريخي تأويلا أقرب إلى حقيقة الواقع والميدان من جهة، ومساهمة في بعث الإشكالات التي رسمها البحث الكولونيالي في المغارب بنفس جديد، يعتمد مقاربة اجتماعية موحدة، في إطار كشف أنثروبولوجي يرمي إلى تبيان وتوضيح بعض التعميمات التي طالت المقاربة الانقسامية، وهو سؤال يمكن تلخيصه في ما يلي، إلى أي مدى يمكن الأخذ بإطلاقية وعمومية المقاربة الانقسامية في مجال المغارب من منظور مساءلة حركة النصوص وتناصها؟

 وبما أن قناعتنا راسخة في هذا الشأن، ومن زاوية مسؤوليتنا الاجتماعية في تحمل هَم التفكير في ظواهر الواقع الاجتماعي، وتفكيك عناصره وإوالياته،  يأتي التفكير في الخطاب الأنثروبولوجي حول المغارب ومقاربة استوغرافيته للمجتمع المغاربي الحديث. لا تسعى هذه الأرضية، في هكذا مستوى، إلى تعميق البحث وفهم وتنظير وتأطير حصيلة المساهمات الأنثربولوجية التي عالجت المجتمعات المغاربية من زاوية الفرضيات الانقسامية، بقدر ما تسعى إلى تتبع الأرضية النظرية لتلك المساهمات، ووضعها  في سياقاتها التاريخية، وإثارة بعض الإشكالات والقضايا التي يثيرها هدا الحقل في علاقته بحقل التاريخ، قصد بناء تصور نظري مصغر، منهجي بالأساس، يمكن الباحث في مرحلة أولية، من القيام بمعالجات عميقة في مشاريع مستقبلية.

من جهة أخرى، تسعى هذه الأرضية إلى عرض النص الانثروبولوجي المنجز في فترة الإعداد والهيمنة الاستعمارية كنص متماسك، يمكن من بناء تصورات نظرية عن المجتمعات المغاربية، من دون تصلب منهجي قد يزج بهده النصوص في دوامة اللاتاريخ، ودوامة الأبحاث ذات الشحنات الإيديولوجية المجانية،  قصد بناء موقف أنثروبولوجي يبحث عن العلاقات القائمة بين الانثروبولوجيا الكولونيالية ونظيرتها المغاربية، حتى نتمكن من فهم دقيق ودقيق لطبيعة هذه العلاقات من خلال المواقف الكبرى التي سعت الى دراسة الدواعي التأليفية.

 الفكرة الأساسية التي تحرك متن هذه الورقة تتمثل في توفير إطار نظري لتلك العوامل الأنتربولوجية الأساسية المتحكمة في بنية الخطاب، التي ينتظم حولها المتن الانثروبولوجي الكولونيالي والمتن الانثروبولوجي المغاربي في إطار عرض منهجي يسائل الأسباب العميقة لتخلف البنيات العامة.

من أجل هذا الغرض،  كان لابد من اقتحام هذا الموضوع اللجوء إلى صيغة منهجية تسعفنا في احتواء لمختلف الإمكانيات والتعامل معها بصورة هادئة تبعد عن كل انفعال معرفي، أو تواطؤ ممكن قد يزج بقيمة المنتوج في دوامة الإيديولوجية. لذا عمدنا إلى تجميع المعلومات والمعطيات التي يقتضيها التحليل الأولي لهذه المساهمة، الشيء الذي قد يفرض علينا معضلة كبيرة، قد تلزمنا بنوع من الالتزام الصوفي، لن نضمن لنفسنا الخروج منه، ولو حاولنا أن نقف على مختلف النصوص المتراكمة، بقدر ما هدفنا إلى استعراض المواقف، التي تعرضت للبناء الاجتماعي المغاربي في علاقتها بالثالوث الفاعل: المخزن، القبيلة والزاوية، في إطار اشتغال يروم تفكيك العلاقات التي ربطت هدا الثالوث، الذي تحققت مفاهيمه وانتعشت في حضن الأنثروبولوجيا.

 لذلك كان من ضروري انتقاء النصوص التي تعرضت لهدا الثالوث حيت المطارحات تعرضت بإسهاب كبير، وبكيفية مباشرة له مع ضبط مقاييس هذا الانتقاء، بهدف الوقوف على جملة من المعطيات لفائدة البحث، فالانتقاء حسب مشيل فوكو لحظة دقيقة من لحظات إنشاء الموضوعية.

إذا سلمنا جدلا بالطبيعة المركبة لمكونات المجتمع المغاربي في الحاضر، فإننا سنبحث عن أسس هذا التركيب في الماضي، ونحن إذ نلتفت إلى الماضي، ماضي الظاهرة القبلية تحديدا، لا نفعل ذلك إلا لكي نجيب على انهجاسات الحاضر. يشهد الحاضر اليوم على مظاهر التحول، وفي الوقت نفسه يحمل في ثناياه عناصر الاستمرارية والتواصل التي تتجلى معالمها في بعض المظاهر والرموز، بل وحتى المؤسسات، مما يحيل بأن القطيعة مع النظام القبلي في المغارب لم تحدث بعد، على الأقل، في شكل تمثلات ذهنية ورمزية يعاد بناؤها من جديد في واقع الحياة العامة للمجتمعات المغاربية.

وإذا كان تركيب هذه المؤسسات والعلاقات والسلوك هو ظاهرة ملحوظة في المجتمع المغاربي، كما أشار إلى ذلك بول باسكون، فإن تفاعل عناصر هذا التركيب مازالت تحتاج إلى تحليل وتستدعي إنجاز دراسات وقراءات سوسيولوجية وأنتربولوجية جديدة.                                             

لا غرو أن يعتمد الغزو الاستعماري الذي استهدف المجتمع المغاربي أساليب وأدوات مختلفة، كان من جملة هذه الأدوات التأويل، ذلك أن دعاة الاستعمار على اختلاف تخصصاتهم أولوا ظواهر وتنظيمات المجتمع المغاربي تأويلا يساير المرامي التوسعية، ومن تم غدا هذا المجال في تصورهم مجال تعارض متعدد الأبعاد، وحتى لا يظل البحث الأنتربولوجي منحصرا في كل من التصور الفرنكفوني والأنجلوساكسوني، لذا يصير استجلاء التصور المحلي بمختلف مستوياته أمرا لا محيد عنه لمقابلة النصوص، وتبيان الفوارق، وتركيب الحلقات الكبرى حول متن الأنثربولوجيا في المغارب.

 يستوجب منا هذا المنحى ملامسة بعض المساهمات المحلية، سواء في شكل مقالات أو دراسات مونوغرافية امبريقية، لإقامة مقايسة نظرية بين الخطابات الثلاث. اختيرت إذن رقعة جغرافية محددة كفضاء لمناقشة الفرضيات الأنثروبولوجية، وعلاقتها بالمجتمعات المغاربية، وما اعترى هذه العلاقة من تحول في ظرف ميزه على مستوى العالم العربي تفكيك القوى الاستعمارية لمختلف وحداته وتأويلها لتنظيماته تأويلا يتلاءم مع أبعاد مخططاتها التوسعية.                

 إن طبيعة هذ ا التحدي المعرفي الذي ما يزال متواصلا بأشكال مختلفة، من جملة ما يدعو إليه تعميق المعرفة بثوابت ومتغيرات مجتمعات المغارب، وبمدى تأثيرها في أشكال مواجهة الغرب من الناحية الفكرية، من هنا تأتي ضرورة فتح حوار جاد على المستوى المغاربي بين مقاربات موحدة الأفق ومتكاملة الاختصاص. إنه حوار يندرج في مشروع يصبو لإعادة النظر في معرفة الكل عبر تعميق المعرفة بالجزء، وبما يطرح ذلك من قضايا على مستوى المنهج، لما بين الكل والجزء من تفاعل.

 ولئن برزت اليوم ألفاظ تبدو منبثقة من ثقافة مفاهيمية جديدة، مدينية/ حضرية بالتحديد، فإنها تبقى مع ذلك متأصلة في البنية الذهنية القبلية، وفي العقلية البدوية الزراعية التي تنكشف بجلاء في  حياة المدينة وعلى مستوى تدبير الأمور العامة.

 اجمالا، فالملاحظ أن محاور البحث الأنثروبولوجي الكلاسيكية، التي سطرها هؤلاء الرواد، في فضاء المغارب، لا تزال تشكل تحديا ابستيميا أمام الباحثين، ولا تزال كذلك، تغلف دائرة اشتغالهم واهتماماتهم، بل إن القضايا والإشكالات التي طرحتها الإدارة الكولونيالية على الواقع المغاربي، لا تزال تمثل نفس قضايا البحث اليوم، ونفس همومه وتوجساته، مما يخلف شعورا بحاجة المعالجة النقدية التحليلية، التي تنأى بصاحبها عن الاصطفافات الإيديولوجية والمغالطات المعرفية. وهو ما يعزز من أهمية الحاجة إلى درس الأنثربولوجيا في منطقة مغاربية تجر وراءها إرثا معرفيا يستثقل عليها في الحاضر انتهى.