الخميس 18 يوليو 2019
منبر أنفاس

مولاي عبد الحكيم الزاوي:في الحاجة إلى الدرس الأنثربولوجي( الجزء الأول )

مولاي عبد الحكيم الزاوي:في الحاجة إلى الدرس الأنثربولوجي( الجزء الأول ) مولاي عبد الحكيم الزاوي
تفرض المقاربة الأنتربولوجية نفسها اليوم بقوة في الدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية بشكل مثير للانتباه، ولربما يتأتى ذلك من خصوبة وثراء مقاربتها المعرفية، ومن قدرتها على الكشف عن خصوصيات البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمجتمعات قيد التحول، بله قدرتها على النفاد إلى عمق ودواخل أبنية معقدة  لتلك المجتمعات المسماة آنئذ ب"المتخلفة"، تلك التي توصف اقتصاديا اليوم بالسائرة في طريق النمو. وتزداد أهمية الفرضيات الأنثربولوجية، لمَّا يتعلق الأمر بفضاء مثل المغارب، حيث أننا في هذه الحالة، أمام مجتمعات عرفت فيها الدراسات الأنثربولوجية والسوسيولوجية في مرحلة مبكرة زمانيا، في سياق تاريخي مرتبط ببداية اهتمامات الأجانب من ذوي تخصصات مختلفة، أكاديميين وسفراء، ممثلين دبلوماسيين، تجار وقناصل، موظفين رسميين بهذا الفضاء الجغرافي...حيث بلورت هذه المعرفة، مفاهيم ونظريات وتصورات انطلاقا من تربة المغارب، بل إن تاريخ الأنثروبولوجيا في المغارب، يكاد يتجاوز في عمره القرن من الزمان، إذ الأنثروبولوجيا المغاربية تشكل حلقة أساسية Pièce maîtresse في تاريخ تشييد علم الإناسة ذاته، من خلال منجزات الرواد الأوائل.
   يضاف إلى ما سبق ذكره،  أن غالبية رموز التيارات الأنثربولوجية العالمية، قد اتخذوا منطقة المغارب ميدانا لدراساتهم الحقلية Field Research، ومختبرا لتطبيق فرضياتهم النظرية، وحسبنا في ذلك، كل من ارنست كلنير، دافييد هارت، جاك بيرك، كليفورد كرتز،، دال إكلمان، جون واتربوري...حيث أقاموا مدة من الزمن، بلوروا في خضمها دراسات وأبحاث تعتبر من أمهات البحث الأنتربولوجي تنظيرا وتركيبا، كما نجد آخرين لا يقلون شهرة عن الذين سبق ذكرهم، أمثال مارسيل موس، كلود ليفي ستراوس، كارل ماركس، الذين استعملوا مشاهدات جمعها الاثنوغرافيين عن المجتمعات المغاربية، بغرض التأسيس والدفع بنظريات وفرضيات أنثربولوجية عن طبيعة النظام الاجتماعي في المغارب. 
  من المهم، بالنسبة لأي باحث مغاربي معاصر يروم إنجاز معرفة علمية عن مجال المغارب، ضرورة مراجعة هدا الموروث الأنثروبولوجي لنقده إما بتبنيه أو بتجاوزه.
   لقد أثارت مفاهيم المقاربة الانقسامية نقاشا واسعا بين الباحثين المهتمين بمجتمعات المغرب الكبير، بل وأفرزت حولها عديدا من الأطروحات النظرية المتباينة، لأسباب معقدة، حاولت أن تفهم طبيعة سير النسق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتحكم في البنية المغاربية، بخلفية لا تخلو من زواج العلم بالسياسة، وارتهان المعرفة بالقرار السياسي، فمن الإثنوغرافيات الوصفية المجسدة للبدايات المبكرة لاقتحام فضاء المغارب، مرورا بالأبحاث الإتنولوجية الفرنسية، والخط الذي رسمه رائد السوسيولوجيا الفرنسية ايميل دوركايم لجيل الباحثين الشباب، انطلاقا من نموذج القبايل بالجزائر، عبورا نحو النماذج التطبيقية المعتمدة في نسق المقاربة الأنجلوساكسونية، في لحظة ما بعد الاستقلالات الوطنية، وصولا إلى حدود ردود الفعل المحلية، التي تبلورت في سياق خطاب بناء الذات مع الباحثين المغاربيين، تنتظم المقاربة الانقسامية في صيغ وخطابات مختلفة، تستدعي من الباحث، ضرورة تبني مقاربة تاريخية في معالجة كل خطاب، تأخذ بعين الاعتبار، سياقات إنتاج ذلك الخطاب، ورسم خطوط ثوابته ومتغيراته.
  هذا النقاش يشكل محور هذه المساهمة المعرفية في مقاربة التاريخ الاجتماعي المقارن لمجتمعات المغارب، من خلفية الفرضيات الأنثربولوجية التي تناوله، لراهنيته في الأوساط الأكاديمية من جهة، وحضوره القوي في النقاشات الفكرية على صعيد أكثر من جامعة مغاربية من جهة ثانية، ولاستمرار تفسيراته في زمن الحداثة والعولمة، على الرغم من انعطافات التحول الاجتماعي والثقافي داخل هذه البلدان، بشكل يجعلنا اليوم على مستوى معاينة النسق الاجتماعي المغاربي نقر بأن سيرورة الماضي القبلي على الأقل تتفاعل بشكل مثير مع معطيات الحاضر، رغم الهزات والتحولات النوعية التي كانت تربة المغارب مسرحا لتداعياتها المباشرة أو الغير المباشرة من جهة ثالثة.
  بناء عليه، فإن التأمل في إشكالية القبيلة وعلاقتها بالبناء الاجتماعي، في امتداداتها  الرمزية والمادية، في علاقتها بالسلطة المركزية، المخزن في السياق المغربي، يستدعي أولا وأخيرا ضرورة العودة إلى حصيلة الأبحاث الأنثربولوجية المنجزة في ذلك الوقت، من أجل تحليل بنيات المجتمع المغاربي في الماضي، واستنطاقها وتفسيراتها، تفسيرا أقرب إلى الواقع، كما يستدعي أيضا إعادة تفكيك البنية الاجتماعية المغاربية، ومرتكزاتها الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية، من حيث أدواتها، ومن حيث امتداداتها الجغرافية في البوادي والجبال والمداشر. كما يلزمنا أيضاً ضرورة تحليل طبيعة الهيكل القبلي وبنائه الاجتماعي، حتى نتمكن من مفهم طبيعة العلاقات السائدة، وأشكال التضامنات والتحالفات، وروابط التآزر والتعاضد، وغيرها من الدوال، و كلها مظاهر و سلوكيات انتعشت في حضن أنثروبولوجيا المغارب.
   في هذا السياق، يتخذ تحديدنا لمفهوم القبيلة دلالة إجرائية، نظرا لزئبقيته وتموجه في ضبط كافة معطيات النسق الاجتماعي المهيكل، وإن بدا مركزيا في مثن هذه الدراسة، فلأنه مفتاح وبراديغم  أساسي في فهم وتحليل دينامية المجتمعات المغاربية سوسيولوجيا وحتى أنثروبولوجيا، وما يستتبعه من مفاهيم مجاورة  كمفهوم السلطة / التناوب والتكامل ومفهوم الإكراه والنفوذ، ومفهوم الصراع والتحالف وغيرها.
على هذا الأساس، فالقبيلة ليست موضعا جغرافيا فحسب، كما يشير إلى ذلك بول باسكون، بقدر ما هي تعبير عن معطيات متداخلة: اثنية، ايكولوجية، اجتماعية، اقتصادية، أخلاقية وعقائدية... إنها بذلك كل ينبغي فهمه في إطار المتغيرات السوسيو تاريخية، وفي علاقتها بإطارها الايكولوجي، وما يرتبط معه من منافع مادية مترتبة عن الأرض. 
  وإذا كانت القبيلة هي الحجر الأساسي الذي نستنير بضوئه في فهم المجال المغاربي من خلفية الفرضيات الأنثربولوجية التي عالجتها، وفي تأويل معطيات الحاضر بأنماطها الثقافية وتشكيلاتها الاجتماعية والاقتصادية وتفاوتات طبقاتها وديناميكية وحركية فاعليها السياسيين وطريقة تموقعهم في هرم السلطة والجاه، فلأنه وبالرغم من الانتقال الاجتماعي والثقافي الذي عرفته بنيات المغارب، لم تحدث قطيعة بعد مع النظام القبلي، على الأقل على مستوى التمثلات الذهنية، وأعيد بناء بعض مظاهر السلوك القبلي في شكل قوالب جديدة تعيد تكرار نفسها، تحيل على تداخل الماضي في الحاضر رغم عنف رجة التحديث الاستعماري.
  تنحو مقاربتنا إذن، نحو تتبع الأرضية النظرية لبعض المساهمات الأنثربولوجية في المنطقة المغاربية، عبر الكشف عن بنية خطابها، مضامينها، محتوياتها وعلاقتها بالواقع الاجتماعي بالأساس، عن طريق مقابلتها بمعطيات الميدان، ووضع النظريات والفرضيات المستخلصة على محك التجربة والاستقراء.
   إن نقد المقاربة الانقسامية في حدودها المعرفية بإسم النظرة التاريخية أمر قد لا ينطوي على قدر كبير من نباهة، قد ينفي ما قد توفره الأنثربولوجيا ذاتها من مفاهيم وأدوات تنير عتمة ماضي الظاهرة الاجتماعية، ومناهج تغني الدراسات التاريخية والسوسيولوجية على حد سواء، وتجعلها قادرة على الخروج من بؤس القراءات الوضعانية، بشكل يُمكن من  إعادة صياغة وتأويل ماضي الظاهرة الاجتماعية صياغة أنسب إلى الواقع. فبإمكان هذا التقارب المعرفي، إن تحقق، أن يُموقع تصور الباحثين في حقل الدراسات التاريخية في نسقية الحوار الإيجابي مع أدبيات الفكر الأنثروبولوجي، عوض أن يركنهم في دائرة التفكير بأن المقاربة الانقسامية نتيجة تصورات لا تاريخية. 
   فمند زمن إميل دوركايم، عرَّاب الانقسامية المغاربية، وقبله بقليل في خضم الأعمال الاثنوغرافية الأولى لرواد مدرسة الجزائر السوسيولوجية، نجد أن النظام الاجتماعي بمنطقة القبايل الجزائرية مثلا، كان يعتبر شكلا جنينيا للتنظيم الانقسامي، المبني أساسا على التضامن الميكانيكي القائم على التشابه بين الوحدات الاجتماعية.
   ركزت الأنثروبولوجيا في فضاء المغارب على الظاهرة القبلية، على كشف ملابساتها، وتجلياتها في المعيش اليومي للقبائل المغاربية، ولربما لا تزال إلى اليوم، بالرغم من الانتقالات الاجتماعية والتغيرات الثقافية التي عرفتها مراكز الثقل الاجتماعي في المغارب، من البادية نحو المراكز الحضرية جراء ارتطامها بهجمة الحداثة المباغتة، لهذا، يبدو من المهم جدا، دراسة عناصر المقاربة الأنثربولوجية، وما أفرزته من مفاهيم وتصورات عن طبيعة سير النسق الاجتماعي في المغارب بصفة دياكرونية / دينامية، في سياق زمني محدد لاختبار مدى اجرائيتها النظرية، ثم كيفية تعامل الباحثين معها على اختلاف مراحل البحث حول المجتمعات المغاربية.
   وكما أشرنا توا، ركز البحث الأنثروبولوجي في المغارب مند القرن التاسع عشر على النظام الاجتماعي ممثلا في مكون القبيلة  la tribu كوحدة اجتماعية صغيرة، هذا المكون المعقد الذي حير الباحثين، واستفز فضولهم المعرفي لتشعبه وتنوعه وديناميته.
   نلمس هذه الحيرة، في كثرة المعالجات المفاهيمية التي تعرضت لتعريف مفهوم القبلية، حيث تطفح مدونات الكتاب والباحثين بتعاريف عديدة، تثير جدلا متعدد الأبعاد لا ينتهي، لم يفرز بعد في صيغته النهائية، إذ تختلف حمولات ومركبات موضوع القبيلة والقبلية بحسب مهمات النظر إليها رفضا أو قبولا.
  إن الخطاب الأنثروبولوجي داخل الفضاء المغاربي كوعي وفرته شروط ذاتية وموضوعية، وكقوة أفرزتها جدلية التاريخ تحاول تقديم رؤيتها المعرفية بنوع كانت تبدو فيه المعطيات صحيحة، ولا تقبل الارتياب، في صلب ثنائية المركز والهامش المهيمنة، ولم يكن في وسع الفكر الغربي، مطلع القرن الماضي، انطلاقا من التطورات الحضارية التي عرفها أداؤه التاريخي إلا أن ينتفع بها لأنه وانطلاقا من مركزيته لا يمكن أن يتقبل إلا ما يخدم هده المركزية.
يتبع