الخميس 22 أغسطس 2019
مجتمع

النكتة لدى المغاربة تجاوزت سقف الإضحاك وتحولت إلى أداة لكسر الطابوهات

النكتة لدى المغاربة تجاوزت سقف الإضحاك وتحولت إلى أداة لكسر الطابوهات د.ابراهيم القادري بوتشيش

طرح د.ابراهيم القادري بوتشيش، أستاذ التاريخ بكلية الآداب بمكناس في مؤتمر المؤرخ العربي بالدوحة، النكتة كمصدر للكتابة التاريخية، مشيرا في حوار أجرته معه "أنفاس بريس" بالمناسبة أن النكتة تتجاوز سقف الإضحاك، إلى تمرير رسائل يراد منها تكسير"الطابوهات"، وخاصة الثالوث المقدس: الدين والجنس والسياسة، فالنكتة تعد مصدرا لتاريخ الأزمات السياسية والصراع على السلطة، والفضائح التي تتورط فيها النخب السياسية.

 

طرحت في مؤتمر المؤرخ العربي الذي عقد مؤخرا بمعهد التاريخ للدراسات العليا بالدوحة النكتة كمصدر للكتابة التاريخية، فماهي خلفيات ذلك ؟ وهل يعزى الأمر الى ندرة الدراسات التاريخية في هذا الجانب أم الى أسباب أخرى ؟

 

لا يمكن تصوّر تاريخ بشري خال من الضحك، لذلك فإن السؤال المركزي الذي أثرته في المؤتمر هو: إلى أي حد يمكن اعتبار النصّ المضحك من نوادر ونكت وطرائف، مصدرا من المصادر التي يستند إليها المؤرخ لاستكمال مادته التاريخية، ورفع سقفها بغية توليد إضافات جديدة للمعرفة التاريخية؟ وقد تبيّن من خلال التحليل والفحص أن النكتة تشكّل تعبيرا رمزيا دفينا يحتلّ مساحة واسعة في المخزون الثقافي للمجتمع العربي وقيّمه وتقاليده وأعرافه، وأنها تحمل في طياتها إجابات عن قضايا تاريخية مسكوت عنها ولو بطريقة مراوغة وملتوية، وتسعى لتقديم الحقيقة في ثوب هزلي. كما أنها تعكس الواقع رغم تلوّنها بمسحة من الخيال، ومن ثمّ فهي تشكّل تمثّلا للذاكرة الجماعية، بما تتيحه دلالاتها من إمكانيات الكشف عن البنية النفسية المخبأة، والمشاعر والمواقف العاكسة لقيّم وثقافة المجتمع.

ومع أهمية النكتة كنص تاريخي، فإنها ظلت مغيّبة في الدراسات التاريخية العربية المعاصرة، أو تمّ إهمالها تحت حجة أنها مجرد نصّ هامشي يفتقر إلى الجدية والانضباط، ويكتنفه غموض المعنى وتورية المقصد، وبالتالي لا يرقى إلى الدقة والقيمة التي تتميّز بها الوثيقة.  فإذا استثنينا الكتاب الروسي الذي يحمل عنوان " المنجل والمطرقة: تاريخ الشيوعية كما ترويه النكت"،  لا نجد المؤرخين  يهتمون بالنكتة كمصدر تاريخي. وعلى العكس فإن المشتغلين في الدراسات النفسية والأدبية والسوسيولوجية والأنتروبولوجيا الاجتماعية مثل Apte, Mahadev   و Attrado, Salvadore  و Chapirot, Marc وغيرهم استفادوا من علم الفكاهة Humorology، ففتحوا بذلك  أوراشا جديدة في حقول البحث.

 

في نظرك ماهي أسباب لجوء المغاربة الى النكتة ؟ وماهي أبرز المضامين السياسية والإجتماعية والثقافية التي عبرت عنها النكت المغربية ؟

 

يلجأ الإنسان إلى النكتة بحكم الدور الوظيفي الذي تلعبه، وهو تمرير رسالة سياسية أو اجتماعية لا يمكن البوح بها علنا، ولذلك يتوارى المقصد الوارد في الرسالة، ويتستّر وراء الهزل، وهو وتكتيك ذكي، ومسلك مناور لبلوغ المقاصد الجادة. وبذلك تستطيع النكتة أن تقدم نفسها كمؤشر لقياس الرأي العام، ومعرفة مواقفه واتجاهاته، وموقفه من السلطة السياسية. فإلقاء نظرة فاحصة على الأماكن التي تنتشر فيها النكتة، تبيّن أنها تتداول داخل الفضاءات المفتوحة كالمقاهى، والشارع، والمدارس والجامعات، وأماكن العمل، وتتوزع بشكل انشطاري توالدي تكاثري. فهي في العمق تواصل وحوار غير مباشر بين السلطة والمجتمع، لذلك لا يخلو خطابها من نبرة الانتقاد اللاذع للمشهد السياسي، والتعبير عن شعور وأحاسيس ومواقف الرأي العام.

كما أن النكتة تتجاوز سقف الإضحاك، لتتحول إلى هزل يراد به جدّ، ومن نص بريئ، إلى فعل من أفعال الكلام الذي يصبح فيه أداة لكسر المحظور، وتجاوز الطابوهات، وخاصة الثالوث المقدس: الدين والجنس والسياسة. فمؤلف النكتة يكون دائما مجهول الهوية، لذلك لا يتحمل أي مسؤولية عن قوله، فيستغل هذه الهوية المجهولة لإبراز الحقائق الممنوع تداولها في المجتمع.

أما عن أبرز المضامين السياسية والاجتماعية والثقافية التي عبّرت عنها النكتة المغربية كما ورد في الشطر الثاني من سؤالك، فقد استخلصنا أن النكتة تتجاوز وظيفتها الإضحاكية،  لتصبح مصدرا لتاريخ الأزمات السياسية والصراع على السلطة، والفضائح التي تتورط فيها النخب السياسية. كما أنها تؤرخ لمشاكل المجتمع المستعصية مثل البطالة وارتفاع الأسعار، وضعف الطاقة الشرائية، وهزالة الرواتب، وتزوير الانتخابات، وتكشف عن أزمة المجتمع وخفاياه، وتعبّر بصدق عن المعيش اليومي، وعن التطلعات للتغيير. كما تعبّر عن معارضة المجتمع الذي يرى في بعض القرارات التي يتبناها المسؤولون، أو اختياراتهم تكريسا للتناقضات الاجتماعية، وعرقلة للاختيارات الشعبية.

 

ماهي في نظرك أبرز الفترات التي شهدت بروزا ملفتا للنكتة ؟ وهل هي مرتبطة بفترات الأزمات والفواجع وفترات الإستبداد ؟

لا شك أن مواطن الاستبداد تعتبر حقلا خصبا لاستنبات النكتة، خاصة النكت السياسية، كتعبير عن حالة خاملة أو متردية للحرية داخل البلد، ومؤشر نوعي وحقيقي لدرجة القهر السياسي الذي يتسيّد في ذلك البلد، والفساد الذي ينخره. لذلك فالعلاقة بين النكتة السياسية وانعدام الحرية والتضييق على الرأي في المجتمعات عموما مسألة لا تحتاج إلى دليل. فبقدر ما يتقلّص فضاء حرية التعبير، يرتفع إيقاع النكتة السياسية،  كتعبير عن السخط الذي يشعر به الرأي العام، ويتحوّل إلى فعل من أفعال الكلام التي تحمل مشروعا مضادا لتوجهات السلطة،  حتى أن الروائي الأنجليزي جورج أوريل اعتبر النكتة " ثورة صغيرة" يشهرها المجتمع المدني في وجه الطغاة، لتصبح محاولة لقهر القهر، ولغة تعبّر بها الفئات الصامتة عن مواقفها. فعلى سبيل المثال، من النكت المعبّرة عن أزمة حرية التعبير بالمغرب، خاصة  في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي: سئل مغربي عن أكبر سدّ في المغرب فأجاب: (( أكبر سدّ في المغرب هو سدّ فمك! )).

وقد نشطت النكت التي تتندّر بالنخب السياسية في تاريخ المغرب خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبرزت في هذا المنحى شخصية خاطري ولد سعيد الجماني الذي حبكت حوله نكت عديدة وبشكل لافت يثير شهية المؤرخ في تحليل هذه الظاهرة والسياقات التي انتعشت فيها في خضم الظرفية السياسية والاقتصادية العصيبة التي مرّ بها المغرب آنذاك، تمثلت في استرجاع أقاليمه الصحراوية، وما نجم عن ذلك من تقشف اقتصادي لإعادة تأهيل المناطق المسترجعة، واستحداث لضرائب جديدة خصصت لدعم ميزانية المناطق الصحراوية بهدف تنمية اقتصادها، ناهيك عن سنوات الجفاف التي عصفت بالمغرب في بداية الثمانينيات. لذلك فإن انتشار النكت حول هذه الشخصية الصحراوية (الجماني) شكلت أسلوبا من أساليب تكسير هذا " الطابو السياسي" للتعبير عن معاناة الشعب المغربي الناجمة عن التضحيات البشرية والمالية والاقتصادية التي قدمها في سبيل هذه القضية.

وقد عرفت النكتة السياسية تطورا كيفيا ونوعيا مع ظهور العالم الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي آلة لإنتاج نكت سياسية كأداة لنقد وفضح المسؤولين بالكلمة والشعارات والرسوم الكاريكاتورية، متوسلة ببلاغة وسائطية جديدة، تتميز بالحوارية والتفاعل كما تثبت ذلك النكت المصاحبة لعملية مقاطعة بعض المنتوجات الغذائية والمحروقات بالمغرب.

 

تحضر لمشروع كتابة تاريخ المهمشين ؟ أين وصل هذا المشروع ؟ وماهي أبرز القضايا التي ستحاول تسليط الضوء عليها من خلال هذا المشروع ؟

مشروع تاريخ المهمشين أو قراءة التاريخ من الأسفل هو مشروع في مسار تجديد الكتابة التاريخية بدأته منذ أكثر من ربع قرن، وهو مشروع متسلسل بدأت حلقاته الأولى مع أطروحتي لدكتوراه الدولة في موضوع الحياة الاجتماعية واليومية بالمغرب والأندلس خلال العصر المرابطي، ثم تواصل عبر تأليف كتب وأبحاث منشورة. واستمر مع الباحثين وطلاب الدراسات العليا الذين أشرفت على أطروحاتهم حيث اقترحت عليهم مواضيع تصبّ في استقصاء ذهنيات المجتمعات الوسيطية على مستوى الفئات المهمشة، لأن أهم المواضيع التي يشتغل بها دارس تاريخ المهمشين هو دراسة العقليات والأفكار والعادات والطقوس والمعتقدات الخرافية  Supertisionsوالانتفاضات والاحتجاجات الشعبية وتفسيرها. وقد انصبّ اهتمامي في المراحل السابقة على الحدّ من هيمنة وتغوّل التاريخ السلطاني، مقابل إبراز تاريخ المهمشين، ونقلهم من الهامش إلى قلب التاريخ. وأشتغل حاليا من خلال ما نشرته من أبحاث على تنويع المناهج التي تسلط المزيد من الضوء على تاريخ المهمشين كالمنهج السيميولوجي، ومنهج التأويل الرمزي، إلى جانب تنويع المصادر، ومنها نصوص النكت التي أثرتها في أسئلتك، ثم نصوص الحكايات والأهازيج والفولكور والرقص، والأغاني الشعبية من قبيل أغاني الملحون، أغاني ناس الغيوان، وكذلك أقوال الحمقى والمجانين والبهاليل وغيرها. وأحسب أن ملف تاريخ المهمشين سيظل مفتوحا ولن يغلق، بل إنه يتجدد ويتخصّب كلما ارتفع إيقاع التحولات المعرفية والإبستيمولوجية والطفرات المنهجية، وكلما اكتشفت نصوص جديدة.