الثلاثاء 21 مايو 2019
كتاب الرأي

محمد أكديد:السنة،الشيعة والملحدون

محمد أكديد:السنة،الشيعة والملحدون محمد أكديد
قبل أسابيع وصلتني دعوة للمشاركة في إحدى الدراسات حول ظاهرة الإلحاد في العالم الإسلامي وسبل مناظرة الملحدين من إحدى المجلات المحكمة في إيران التابعة لخط آل البيت (ع). وقبيل أيام نظمت كلية الآداب و العلوم الإنسانية ببنمسيك في الدار البيضاء أياما دراسية مفتوحة حول نفس الموضوع بحضور عدد من المشايخ والباحثين، من بينهم الدكتورهيثم طلعت والداعية أبوزيد المقرئ الذي تجاوز حدوده مع ستيفن هاوكنج في إحدى مداخلاته المتحمسة.
جميل أن يكون هذا الهاجس حول مواجهة ظاهرة الإلحاد مشتركا بين كل من السنة والشيعة. على الأقل هناك أمر يجعل التوافق بين الطرفين على التصدي له ممكنا، ولو اختلفت مرجعياتهما ورؤيتهما للإسلام رغم اقتسامهما لنفس التراث والتاريخ والمصير.
لكن الأجمل من كل هذا هو أن توجه هذه الجهود لغربلة التراث الإسلامي نفسه بقسميه السني والشيعي أولا من الكثير من التناقضات والخرافات والأحكام الطائفية المتبادلة ومظاهر الغلو والتطرف والإقصاء بكل أشكالها، قبل التوجه إلى مواجهة الملحدين الذين يستندون إلى كل هاته الأمور لضرب الإسلام والمسلمين في عقر دارهم بعد أن باتت ظاهرة التحول إلى الإلحاد تستقطب اهتمام وقلق المتتبعين في مختلف المواقع خاصة داخل المجتمعات التي يطغى فيها نمط أحادي من التدين، تحاول فرضه بشتى الطرق إلى حد حمايته بقوانين وإجراءات زجرية.
قد يعزف بعض الملحدين ممن ينكرون وجود الخالق على أوتار الجانب الغيبي في الأديان وضمنها الإسلام الذي لا تخلو عقائده وتمثلاته وطقوسه من حضور هذا الجانب، وهو أمر قد توقف عنده كثيرا الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ. فكان لابد من الاعتراف بحدود العقل والمادة وبقصور الأجوبة التي يقدمها العقل والمنطق،حيث خصص أرسطو كتابا لماوراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ناقش فيه المفاهيم و المواضيع التي بدت له مستعصية أمام الفيزياء المادية كالعقل نفسه والروح.
وقد يستغل اللادينيون خصوصا الكثير من التناقضات التي تحفل به التفاسير والمتون السنية لإرباك المؤمنين البسطاء ممن ليس لهم دراية بالتحقيق في هذه المتون التي دس أغلبها وفق سياقات تاريخية مختلفة،دون الحديث عن التأويلات والاجتهادات التي قد يتبناها عادة الدعاة لتفسير بعض الآيات القرآنية والأحاديث تحت يافطة حوادث آخر الزمان أو الإعجاز العلمي مما قد يخالف أحيانا ما توصل إليها العلم الحديث.
ولكن تأثير هذه المداخل يبقى محدودا بالمقارنة مع تداعيات ممارسات المتدينين أنفسهم على مواقف الملحدين الجدد داخل العالم الإسلامي. خاصة بعد تنامي نفوذ تيارات الإسلام السياسي والجماعات التكفيرية المرتبطة بالأيديولوجيا الوهابية التي ساهمت في إذكاء أتون الحرب الطائفية المعاصرة بعد سقوط العراق واستهداف سوريا، ليتم استغلال الدين لتبرير أجندات سياسية مشبوهة أضرت كثيرا بالقيم والتعاليم الإسلامية التي مافتئ ينادي بها شيوخ هذا التيار ودعاته بمناسبة وبدون مناسبة (وقد فاجأنا أحدهم مؤخرا –عائض القرني- بتوبته على الهواء مباشرة بعد أن أرسل بتحريضه وفتاواه الآلاف من الشباب المسلم للاحتراق في أتون الحرب الطائفية)، كما سعت هذه الأيديولوجيا إلى احتكار الحقيقة وفرض الوصاية على تدين المسلمين (السنة بالخصوص) بفكر أحادي إقصائي لا يستجيب لمتغيرات العصر مع استخدام الآلة الإعلامية لتشويه صورة الخصوم المذهبيين(الشيعة خصوصا) رغم اقتسامنا معهم لنفس التاريخ والجغرافيا والمصير.
ولا أبرئ بعض غلاة الشيعة من الطائفيين من الجانب الآخر، والذين تجدهم أيضا يعزفون على نفس الأوتار الطائفية التي تستفز المعتدلين من أهل السنة فضلا عن المتزمتين، من خلال نصوص واجتهادات غير محققة وتأويلات وأحكام طائفية مرتبطة بسياقات تاريخية معينة، يتقدمهم بعض وجوه التيار الشيرازي كصاحب قناة فدك التي تبث من لندن الشيخ ياسر الحبيب، والذي يشترط على الموالين الجدد ممن قذفت بهم الأقدار في طريقه لعن الخلفاء الأوائل وأم المؤمنين عائشة كشرط للانتماء إلى مذهب أهل البيت (ع) في إساءة واضحة إلى هذا المذهب الذي يفترض أن يمثل أسمى القيم الأخلاقية والإنسانية التي ترتبط بهدي النبوة.
في ظل هذه الفوضى يتقدم الإلحاد بخطى ثابتة وبهدوء لاستقطاب المزيد من الشباب التائه بين مخلفات هذه المواجهات الطائفية العقيمة، كرد فعل يائس على ما وصلت إليه الأمة من شتات وتطاحن، في ظل غياب نموذج حضاري للتقدم، والتبعية الآلية للغرب (الكافر حسب التوصيف التقليدي السائد عند عوام المسلمين) الذي أخرج الدين من حلبة الصراع السياسي منذ عصر الأنوار بعد نجاح الثورة الفرنسية، وحصر نفوذ الكنيسة التي كانت تحتكر الحقيقة العلمية أيضا (نموذج مأساة كبرنيك وغاليلي) ليفسح المجال للمواطن الحر لاستخدام عقله دون وصاية أو توجيه من أي هيأة دينية تدعي امتلاك الحقيقة الإلاهية.
قد نتفهم لدى الملحدين بعض الأسباب المرتبطة بهذه السياقات التي ساهمت في تطور الحضارة الغربية، لكن الأمر الذي يغيب على الكثير من هؤلاء، هو أن الدين مازال له حضور قوي داخل معظم الدول الغربية اليوم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، سواء داخل المجتمع (ظهور حركات دينية جديدة ونشيطة كشهود يهوه) أو داخل كواليس التحكم والتخطيط لتوجيه النفوذ في السياسة الدولية (لوبي الآيباك الصهيوني في أمريكا)، بل إن الإحالة على الدين لا تخلو منها عدد من الدساتير الغربية بما فيه الدستور الأمريكي نفسه.
وكما قد يستغل الدين من طرف المتطرفين و الإقصائيين لتبرير الحروب والمواجهات الدينية والطائفية، فقد يلعب أيضا دورا في استقرار الشعوب والمجتمعات إذا ارتبط حقيقة بقيم التسامح والحوار والتعايش والانفتاح على الآخر المختلف دون حساسيات ونوايا سيئة.
وبعيدا عن نظرية المؤامرة التي يعيش على أوهامها الكثير من المتدينين بغض النظر عن ميولاتهم المذهبية، فإن أغلب طروحات الملحدين تجد لها صدى في المواقف الأيديولوجية والممارسات والأحكام التي يتبناها المتدينون خصوصا داخل في المجتمعات الإسلامية، مما يحتاج إلى مراجعات حقيقية داخل التراث الديني على ضوء آخر مستجدات التحقيق في المتون والأحداث التاريخية و ما توصلت إليه الفلسفة والعلوم الإنسانية، فضلا عن ضرورة الخروج من القوقعة المذهبية التي تختزل الإسلام داخل رؤية أحادية لا تعترف بالاختلاف ونسبية الحقيقة، وتمارس الوصاية على الدين بمنطق التعالي على الآخر المختلف داخل نفس الدين، والذي يمكن أن يقدم أيضا الكثير من الحلول لعدد من القضايا الراهنة التي يتخبط فيها المسلم في مواجهة التحولات الكبرى التي يعرفها محيطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
دعوة لإعادة التفكير في ترتيب البيت الداخلي للإسلام والمسلمين عبر الاعتراف بالقريب أولا (المسلم الشيعي) والانفتاح عليه ثانيا[1] بموضوعية وروية، قبل التفكير في مواجهة الانتقادات الخارجية التي تجد لها صدى في كل ما ذكرنا آنفا، لأن من بيته من زجاج لا يجب أن يقذف الناس بالحجارة.
[1]خلال فترة الثلاثينيات جرى حوار تاريخي بين عالمين جليلين هما؛ السيد سليم البشري الذي ترأس مشيخة الأزهر لمرتين، والسيد شرف الدين الموسوي العاملي الذي كان مرجعا للشيعة في جبل عامل بلبنان، حيث تم جمع هاته الرسائل في كتاب"المراجعات" الذي حوى الكثير من الحقائق الغائبة حول هذا الخلاف. وقد أفتى لشيخ الأزهر محمد شلتوت خلال الخمسينيات بجواز التعبد بالمذهب الجعفري الذي يدين به الشيعة، وفتح أقسام في الأزهر لتدريسالمذهبين الإمامي والزيدي الشيعيين، حيث تأسستبعد ذلك "جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي بذلت الكثير من الجهود لتضييق دائرة الخلاف والتأسيس للوحدة الإسلامية، لولا تدخل بعض الأجندات الطائفية لإفشال هذا التواصل.
 
-محمد أكديد، باحث في علم الاجتماع السياسي
...............
[1]خلال فترة الثلاثينيات جرى حوار تاريخي بين عالمين جليلين هما؛ السيد سليم البشري الذي ترأس مشيخة الأزهر لمرتين، والسيد شرف الدين الموسوي العاملي الذي كان مرجعا للشيعة في جبل عامل بلبنان، حيث تم جمع هاته الرسائل في كتاب"المراجعات" الذي حوى الكثير من الحقائق الغائبة حول هذا الخلاف. وقد أفتى لشيخ الأزهر محمد شلتوت خلال الخمسينيات بجواز التعبد بالمذهب الجعفري الذي يدين به الشيعة، وفتح أقسام في الأزهر لتدريسالمذهبين الإمامي والزيدي الشيعيين، حيث تأسستبعد ذلك "جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي بذلت الكثير من الجهود لتضييق دائرة الخلاف والتأسيس للوحدة الإسلامية، لولا تدخل بعض الأجندات الطائفية لإفشال هذا التواصل.