الاثنين 27 مايو 2019
فن وثقافة

تاريخ وحضارة: الطعام والعادات الغذائية في مراكش القديمة (الحلقة7)

تاريخ وحضارة: الطعام والعادات الغذائية في مراكش القديمة (الحلقة7) مواعيد تناول الطعام مرتبطة ارتباطا وثيقا بإنهاء أشغال الفلاحة و المهن والحرف

بدون منازع حققت صفحة " مراكش مدينة الألف سنة " التي أحدثها عاشق مدينة سبعة رجال، الأستاذ "مراد الناصري" سنة 2017 ، بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، أهدافها المتعلقة بالنبش في ذاكرة المدينة الأسطورة، ونفض الغبار عن تراثها العظيم بالكتابة والصورة، وفتح أبواب شخوصها  و معالمها العمرانية والتاريخية بمفاتيح الحضارة الإنسانية. " لقد راهنت على  إبراز أهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الجانب الإيجابي، وتمرير رسائل مهمة للجيل الحالي على جميع المستويات، فضلا عن مشاركة ساكنة مدينة الحمراء عشقهم لحضارة مراكش..." يؤكد مراد الناصري.

فعلا إن المبحر في صفحة "مراكش مدينة الألف سنة" يجدها تجربة رائدة في استثمار موقع الفيسبوك إيجابيا، حيث نعتبر أنها جديرة بالمتابعة والتعميم والمواكبة الإعلامية، وتقاسم مواضيعها النادرة مع قراء جريدة " أنفاس بريس"، لتعميم الفائدة طيلة شهر رمضان الأبرك.

"غداكم حتى العصر يا أهل باب أيلان" ـ مثل شعبي مراكشي قديم.

من العادات الغذائية لأهل مراكش القدامى تأخير أوقات الطعام عن مواعيدها الاعتيادية خصوصا وجبتي الغداء والعشاء، إذ أن الغداء لا يتم تناوله إلا بعد إقامة صلاة الظهر والتي يطلق عليها المراكشيون اسم "العْلام"، والعلام هو أول وقت صلاة الظهر، فيما بعض المساجد تؤخر وقت الصلاة إلى آخره مثل مسجد سيدي بنسليمان الجزولي الذي تؤخر فيه صلاة الجمعة إلى غاية آخر وقت الظهر، وفي بعض مساجد باب أيلان كانت تؤدى صلاتا جمعة أولاهما في أول الوقت والثانية في آخره انسجاما مع كبر مساحة الحي وانخراط أغلب ساكنته في أعمال حرفية ومهنية ترهن وقتهم بمواعيد محددة...

تشكل بنية المجتمع المراكشي تاريخيا في أغلبيته من طبقات متوسطة من الحرفيين والفلاحين والتجار ستجعل مواعيد تناول الطعام مرتبطة ارتباطا وثيقا بهذه المهن والحرف إذ لا بد من إتمام العمل الصباحي ثم تأدية الصلاة قبل العودة إلى البيت للغداء فالقيلولة التي سماها الأجداد بلقب فريد هو "التوريكة" (يقال : بغيت نورّك شوية)، ومن ثم العودة إلى العمل، وفي بعض الحالات التي كان محل العمل فيها بعيدا عن مكان الإقامة، كان نصب الطاجين أو الڭاميلة في عين المكان ضرورة ملحة لا فكاك من الامتثال لها في انتظار العودة المسائية إلى البيت...

هذا الواقع المجتمعي في مراكش القديمة حيث كان يوم العمل يبدأ مباشرة بعد صلاة الفجر، فرض على الساكنة نمطا معينا في مناحي شتى من الحياة ومن بينها مواقيت الطعام، وقد ذكرنا ما كان من تأخير لبعضها لنثنّي أيضا بعادة مراكشية أصيلة هي تناول وجبة الإفطار على مرتين؛ أولاهما مباشرة بعد إقامة صلاة الفجر، والثانية وقت الضحى بعد تأدية هذه النافلة الكريمة، ثم كانت وجبة "العڭبية" بعد صلاة العصر، وهي ذات الوجبة التي تحمل اسم "الترديدة" في الوسط القروي المرتبط ارتباطا وثيقا بالأنشطة الفلاحية وزراعة الأرض...

أما الخبز المتبقي المتراكم في المنزل، فهو سيشكل في الغالب الأعم النواة الأولى لوجبة "التردة"، إذا أضيفت إليه مقادير أخرى مثل العدس والفول اليابس أو الأخضر والحلبة والفلفل الحار مع الكثير من البهارات، وأحيانا مع شيء من "الشحمة الغاوية"...

بالموازاة مع هذا، تجدر الإشارة في الختام إلى ارتباط مجموعة من الوجبات بالمناسبات سواء منها الدينية على شاكلة عيدي الفطر والأضحى وعاشوراء وذكرى المولد النبوي الشريف وليلة النصف من رمضان وليلة القدر المباركة، أو المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الأعراس والعقيقات (السبوع) والخطبة وختان الأطفال وثقيب الوذنين للبنات؛ حيث كانت تعد وجبات خاصة باليوم المشهود نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الكسكس والثريد بالدجاج والقريشلات والڭريصات وهربل.

 

ملاحظة: سيلاحظ القارئ الأريب دون شك استخدامنا للغداء تارة بالدال المفردة وتارة أخرى بالدال المعجمة؛ والواقع أن لكل مقام مقالا إذ أن الغداء هي مرادف للوجبة التي تقدم وسط النهار، فيما الغذاء بالدال المعجمة تأتي مصداقا للأكل على إطلاقه...