الخميس 22 أغسطس 2019
فن وثقافة

تاريخ وحضارة : الفْنَادْق في مراكش القديمة، أو القلب النابض للحياة الاقتصادية بالمغرب ( الحلقة 5 )

تاريخ وحضارة : الفْنَادْق في مراكش القديمة، أو القلب النابض للحياة الاقتصادية بالمغرب ( الحلقة 5 ) سوق القصابين سنة 1920

بدون منازع حققت صفحة " مراكش مدينة الألف سنة " التي أحدثها عاشق مدينة سبعة رجال ، الأستاذ "مراد الناصري" سنة 2017 ، بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، أهدافها المتعلقة بالنبش في ذاكرة المدينة الأسطورة ، ونفض الغبار عن تراثها العظيم بالكتابة والصورة، وفتح أبواب شخوصها و معالمها العمرانية والتاريخية بمفاتيح الحضارة الإنسانية. " لقد راهنت على إبراز أهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الجانب الإيجابي، وتمرير رسائل مهمة للجيل الحالي على جميع المستويات، فضلا عن مشاركة ساكنة مدينة الحمراء عشقهم لحضارة مراكش..." يؤكد مراد الناصري.

فعلا إن المبحر في صفحة "مراكش مدينة الألف سنة" يجدها تجربة رائدة في استثمار موقع الفيسبوك إيجابيا، حيث نعتبر أنها جديرة بالمتابعة والتعميم والمواكبة الإعلامية، وتقاسم مواضيعها النادرة مع قراء جريدة " أنفاس بريس"، لتعميم الفائدة طيلة شهر رمضان الأبرك.

ـ یقول ابن أبي زرع متحدثا عن يوسف بن تاسفين: " وبنى الحمامات والفنادق والأرجاء وأصلح أسواقها وهذب بناءها"...


لقد ارتبط بناء الفنادق بالحركة التجاریة بالبلاد، حیث قامت الفنادق بدور كبیر في الحیاة الاقتصادیة بالمغرب، إذ بجانب وظیفتها الأساسیة في إیواء الغرباء التجار الوافدین على البلاد، كانت مخزنا ومكانا لبیع السلع والمواد التجاریة المختلفة، حیث توفر خدمة للتجار الذین ینتقلون من بلد إلى آخر للبیع والشراء، وتوفر له في هذه الأماكن قدرا من الراحة والحیاة الطیبة، فضلا عن الأمن والسلامة لذا نجد هذه المؤسسات مكتملة المرافق من حیث الأماكن المخصصة لتخزين البضائع وإیداع الأموال وأماكن أخرى للراحة والنوم، كما ساهمت الفنادق في إیواء المنقطعین وعابري السبیل.

وقد اهتم ولاة الأمر بالمغرب الأقصى بإنشاء العدید من الفنادق في أنحاء متفرقة من البلاد، ومن ذلك ما أمر به أمیر المسلمین یوسف بن تاشفین ببناء الفنادق بمدینة فاس سنة 462 ه/ 1070 م، حیث یقول ابن أبي زرع: " وبنى الحمامات والفنادق والأرجاء وأصلح أسواقها وهذب بناءها"...

كذلك تأسست عدة فنادق بمدینة مراكش، وذلك حین أمر الخلیفة المنصور الموحدي بإنشاء العدید من الفنادق والأسواق والتي قصدها التجار من كل ناحیة...أما في عهد الناصر فقد بلغ عدد الفنادق سبعة وستین وأربعمائة. وقد أنشئت للتجار وهذا ما یشیر إلى ارتباط حركة بناء الفنادق بالنشاط التجاري ومدى الازدهار الذي شهده بالبلاد... وكان الفندق یقسم إلى عدة أمكنة، فهناك مكان للنوم والراحة ومواضع أخرى لعقد الصلات التجاریة من عقود بیع وشراء وكراء ورهن وغیرها.

بالإضافة إلى ما سبق ذكره يمكن أن ندرج غرضا آخر من إقامة الفنادق التي لم تكن تقتصر على إيواء الأشخاص والأفراد فقط، بل كانت لديها كذلك أجنحة مخصصة لإيواء البهائم، تماما كما هو عليه الحال في العديد من السقايات التي كانت توفر جهة لسقي البهائم بالموازاة مع السقاية الرئيسية التي يشرب منها الناس ويرتوون.

وفي مراكش القديمة، انتشرت الفنادق في العديد من الحومات، لكن عرفت بها حومات أكثر من غيرها سيما في محيط مسجد بن يوسف التاريخي والأحياء المحيطة به مثل حومة "قاعة بناهيض" وهي الحومة التي ما زال بعض المراكشيين القدامى ينادونها بلقب "بين الفنادق" وذلك نظرا لتعدد ووفرة الفنادق بها على غرار "فندق الزيات" و"فندق سالاس" "وفندق سلهم". والأمر مفهوم إذا علمنا أن الحي قطنته أغلبية ميسورة، سيما فئات التجار المراكشيين أو أولئك الوافدين من مدينة فاس. كما انتشرت الفنادق كذلك في حومات أخرى مثل القصور والمواسين وذلك قبل أن تنتقل من هذه الأخيرة مطلع القرن العشرين نحو باب فتوح حيث صارت تباع المواد التموينية بالأساس قبل تحولها مرة أخرى إلى باب الملاح، وفي فترة زمنية محدودة لم تطل خلال بدايات الاستقلال، انتشرت الفنادق أيضا في حيّ باب تاغزوت حيث برز "فندق بوقنبول" المختص أساسا في بيع مواد التطهير، وهو الذي ذاع صيته بعد الاستقلال وتوسع إلى أماكن أخرى من مراكش سيما حيّ المسيرة.

هذا مع وجوب الإشارة ختاما إلى أن العرف الخاص بالفنادق اقتضى تخصص أغلبها في بيع مواد بعينها، مثل فندق الملحة "بأمصفح " والذي يعد من أقدم الفنادق بمدينة مراكش إذ يرجع بعض المؤرخين تواجده إلى العصر الموحدي، ونفس الأمر بالتخصص يسري على فنادق أخرى مثل فندق الزيات بقاعة "بناهيض" وغيرهما من فنادق أخرى تخصصت في بيع المواد التموينية الأساسية مثل الملح والسكر والشاي والزيت والدقيق، ثم كان أن تخلت الفنادق تدريجيا عن هذه الخطة التجارية بعد أن بدأت تبيع جميع المواد لزبائنها، وذلك تحت وطأة التقدم الزمني والكثرة السكانية وتغير العادات الغذائية للساكنة.