الثلاثاء 21 مايو 2019
كتاب الرأي

المكي نشيد : المنظومة التعليمية والإصلاح المعاق

المكي نشيد : المنظومة التعليمية والإصلاح المعاق المكي نشيد

بداية من سنة 2000، شرعت، والتعليم العالي وتكوين الأطر، في تطبيق مشروع الإصلاح حسب المقتضيات الإصلاحية التي تضمنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي اعتبر منذ الشروع في تطبيقه، مجهودا جماعيا تشاركيا، حظي بإجماع مختلف الشركاء الاجتماعيين، والحساسيات السياسية، ومكونات هيئات التربية والتكوين، وبذلك شكل هذا التحول في العمل الإصلاحي للمنظومة التربوية أملا واعدا، ورهانا قويا لتخليص نظامنا التعليمي في أفق منظور، من ما يعانيه من كوابح ذاتية، واختلالات بنيوية طالما فككت أوصاله، وأضعفت أداءه، وشلت مردوديته مع توالي الهزّات، وتناسل الإحباطات التي لازمت مختلف المحاولات التصحيحية، أو الإصلاحية، التي عرفها النظام التربوي التعليمي المغربي منذ مطلع الاستقلال إلى اليوم.

وقد جاءت القراءة التقييمية التي خلص إليها تشخيص المجلس الأعلى للتعليم سنة 2007، لتكشف عن الكثير من مواطن الخلل، وتعري عن مكامن الضعف والتقصير، الذي حال دون تحقيق الإصلاح لأهدافه ومراميه، الأمر الذي سيستدعي تغيير مسار النقاش قبل استكمال عشرية الإصلاح، تحت إطار الميثاق الوطني لإصلاح التعليم، لمهامها سنة 2009، وذلك بتحويل الأنظار، وتركيز الاهتمام في النقاش حول صيغة جديدة من الإصلاح، إنها صيغة أشبه ما تكون بعملية إصلاح للإصلاح، أو إصلاح على أنقاض إصلاح. وهو الإصلاح الذي جاء تحت اسم؛ البرنامج الإستعجالي لإصلاح التعليم، الذي حدد سقفه الزمني في أربع سنوات، من 2008 إلى 2012 ؛ وبموجب هذا التّحول، غير المبرر، سيأخذ منحى الإصلاح طريقا جديداً ستكتسي فيه المنظومة التعليمية من خلال البرنامج الاستعجالي، طابعا تفكيكيا بعد أن استحكمت في دواليبه النزعة التقنية أسلوباً ومنهجاً، فاستند على المعطيات الكمية لتبرير الخلاصات والنتائج وصياغة الأهداف؛ وبذلك تجنب البرنامج الاستعجالي الخوض في الكيف بما يعنيه من مناهج، ومضامين. وبصيغة أوضح، غاب عن هذا المخطط التفكير في مدى صلاحية المنهاج التربوي المغربي المعتمد لشروط الحياة اليومية المعاصرة، وأغفل متطلبات العصر المعرفية والعلمية والتكنولوجية، وما يفرضه كل ذلك من إعادة النظر في الأساليب التربوية والديداكتكية التي عفا عنها الزمن، ومع ذلك ما تزال مدارسنا ومؤسساتنا التربوية لا تجد عن التلقين والتحفيظ والتكرار والاستظهار بديلا، وبالتأكيد سوف لن تسعفها في ذلك حتى هذه التدابير ذات الطبيعة الأولوية التي روجت لها وزارة بلمختار لسنة 2015، والتي كانت بعض عناصرها مثار أزمة خيمت على علاقة الوزير برئيسه في الحكومة آنذاك.
وبذلك يكون المخطط الاستعجالي، وعلى الرغم من الميزانية الإضافية السخية التي ضخت في حسابه من اجل دعمه لتسريع وثيرة الإصلاح، فإنه على العكس من ذلك قد ساهم في إفراغ مضمون الميثاق الوطني من أي محتوى لدعامات الميثاق المؤسسة لتصور تربوي أكثر تكاملا وانسجاما وتحديثا. وبذلك يكون المخطط في استعجاليته قد أحال تلك الدعامات إلى أشلاء مفككة بتوزيعها إلى أكثر من 23 مشروعا عدد منها لم يستكمل إنجازه . هذا ولأن التفكيك يقتل البداغوجيا، فإنه كان من الطبيعي أن يؤول المشروع إلى ما آل إليه في انتظار ما سيأتي بعد استيفائه لمدته المحددة دون أن يحقق أهدافه.
ومن بين التداعيات الناتجة عن تفكيك المشروع البيداغوجي، ظهور تضارب وتعارض في الحقل التربوي، بين قائل بضرورة الأخذ ببيداغوجيا الإدماج والإبقاء على اعتمادها في الممارسة التربوية كعنصر أساس في النسق البيداغوج المعتمد، وبين من يدعو بأي شكل إلى الاستغناء عنها إن لم يتم حذفها بصفة نهائية، ومن بين هؤلاء الوزير الوصي على القطاع آنذاك، السيد محمد الوفا.
وعلى أرضية هذا التضارب والتعارض الذي خيم على الساحة التعليمية دون أن يتم الحسم فيه، انبثقت الرؤية الإستراتيجية 2015 ــ 2030 عن التقرير الذي أعدته اللجنة الوطنية للتقويم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين سنة 2014. ويهدف هذا التقرير إلى تقييم السياسات التعليمية بالمغرب بناء على أسس وأهداف محددة. لكنها استراتيجية لم تعلن عن نفسها بشكل جدي وعملي، ولم تبدأ في العمل على تفعيل توصياتها الكبرى إلا بعد أن تدخل الملك محمد السادس في 20 ماي 2015 ليسلم هذه الرؤية إلى رئيس الحكومة، ويصدر على إثر ذلك قرارا بتحويل اختياراتها الكبرى إلى قانون ـ إطار يجسد تعاقدا وطنيا يلزم الجميع ويلتزم الجميع بتفعيل مقتضياته.

لكن وعلى الرغم من النقاشات التي أثيرت حوله وساهمت في تأخير إخراجه، فقد خرج مشروع قانون ـ إطار رقم 17ـ 51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي إلى الوجود في أواخر سنة 2018، لكن بعد تلكؤ وتردد، وحسب الصيغة التي تم التوافق عليها بين الفرق البرلمانية، وهي الصيغة التي لم تتخلص هي الأخرى من هيمنة النهج البيروقراطي التقني والقانوني الذي أحال التوجهات الكبرى لمضامين الرؤية الإستراتيجية إلى مجرد مشاريع مفككة أخذت صيغة أبواب كبرى(10أبواب) ومواد قانونية (59 مادة) ملزمة وهو ما يتنافى مرة أخرى مع متطلبات العمل التربوي، وخصائص البيداغوجيا التي تتأسس في عملها على التكامل والتفاعل والانسجام في المبادئ والمواقف والأهداف.