السبت 17 أغسطس 2019
كتاب الرأي

نوفل البعمري: الإفطار العلني معركة القيم قبل معركة المواجهة مع المجتمع

نوفل البعمري:  الإفطار العلني معركة القيم قبل معركة المواجهة مع المجتمع نوفل البعمري
في كل مرة يثار فيها موضوع الإفطار العلني خاصة عندما تقرر مجموعة ما أن يكون الأمر بشكل منظم وعلني يثار نقاش حول الحريات الفردية و احترام معتقدات الأفراد و الجماعات يثار معها علاقة حقوق الإنسان خاصة في الجانب المتعلق بالحريات الفردية مع الخصوصية المحلية وهي الخصوصية التي ظلت تكبح تطور حقوق الإنسان خاصة منها على مستوى الحريات الفردية.
 من الناحية المبدئية من حق أي كان أن يصوم أو يفطر ولا حاجة لنا للبحث كل صباح عمن هو صائم و عمن هو مفطر، لأن البيئة المغربية ظلت دائما رافضة لمحاكم التفتيش الدينية، و رغم كل مظاهر المحافظة فهي متسامحة جدا مع بعض القضايا من بينها الإفطار في رمضان خاصة عندما يتخذ طابعا غير علنيا حتى لا نقول سري.
مناسبة هذا الحديث هو إعلان البعض عن تنظيمهم لخرجة إفطار علني، حيث أن هناك من يعتبر مثل هذا الإعلان و بشكل منظم فيه إشهار هو نوع من التحدي لقوى المحافظة،و أن هذا حقهم في عدم الصوم، مما لا جدال فيه أن قرار الصيام أو الإفطار هو قرار شخصي، فردي، مرتبط بالإيمان و مسألة الإيمان هي ما بين الشخص وخالقه ومعتقداته التي قد تجعله يؤمن بطقوس معينة أو يرفضها لسبب أو لآخر، و تدخل في باب حرية المعتقد و ممارسة الشعائر الدينية من عدمها. 
السؤال هل الدعوة لإفطار علني ستفيد النقاش المتعلق بالحريات الفردية  أم لا؟
اعتقد أن الإفطار العلني بالشكل الذي يطرحه البعض، أي أن يكون بشكل منظم وعلني قد يؤدي إلى انتكاسة، ورد فعل سلبي اتجاه مختلف المطالب المتعلقة بالحريات الفردية، لأن المقاومة ستكون من داخل المجتمع و ليس من خارجه، ولا من داخل الدولة، وأخطر ما قد يهدد الحريات الفردية هو أن نجعلها ونجعل مبادئها في مواجهة المجتمع، لأن الخاسر ستكون هي الحريات نفسها و قد تؤدي إلى رفض حتى ما تحقق اليوم من مكاسب.
النموذج التونسي الذي يقدم دائما في النقاش حول موضوع الحريات الفردية، لا علاقة له بدعوة الإفطار العلني المنظم، النموذج التونسي كان خيارا استراتيجيا للدولة و قامت بفرضه باعتبار أن لتونس في عهد بورقيبة كان لها/له خيارات سياسية دفعت في اتجاه علمنة المجتمع قبل الدولة، و هو ما جعل رغم وصول الاسلاميين للحكم لم يستطيعوا مس الحريات الفردية لأنها أصبحت جزء من تشكل هوية المجتمع التونسي، لذاك لا مجال لأي مقارنة بين التجربتين في هذا الباب لاختلاف مسار كل دولة و مجتمع.
الأصل في الإنسان هو الحرية، حرية الفرد في الإيمان أواللإيمان، في الصيام أوالإفطار في الصلاة أو عدمها... ونحن يجب أن ندافع عن هذه الحرية دون أن نسقط في الاصطدام مع المجتمع لأنه في مثل هذه القضايا الاصطدام والتدافع لن يكون مع الدولة كما قد يعتقده البعض بل مع شرائح واسعة من المجتمع المغربي و هو ما قد ينعكس على مطلب توسيع الحريات نفسها و قد يشكل الأمر انتكاسة على مستوى الحقوق نفسها.
هناك معارك هامشية، ليست لها أية راهنية، كما أن هناك مطالب طريقة طرحها تؤثر عليها بالسلب أوالإيجاب... ومعركة الإفطار العلني هي معركة هامشية ولا راهنية لها،مادام أن لا أحد يناقش الإفطار الغير العلني، ومن يريد أن يغير القانون الجنائي فما عليه إلا أن يتوجه للفرق البرلمانية لتقديم المقترحات المتعلقة بتغيير المواد التي تنص على تجريم الإفطار العلني خاصة منها المادة 222 من القانون الجنائي.
تعليقي ينصب على إعلان الإفطار العلني الذي سينظم في القادم من الايام...و ليس على الحق نفسه الذي يظل حقا فرديا و شخصيا ولا حاجة لا لإعلانه ولا للإجهار به، لأنه يتنافى حتى مع طبيعة الحق نفسه الذي يظل خاصا بالفرد ولا يعني الجماعة أو المجتمع.
هناك قضايا طريقة طرحها، وتوقيتها هما الفيصل في تحديد مدى تطور الحقوق أو إحداث انتكاسة فيها وقد كان توقيت مناقشة إعداد الخطة الوطنية للديموقراطية و حقوق الإنسان هو التوقيت المناسب للضغط من أجل تضمين مختلف الحقوق المتعلق بحماية الحريات الفردية.
كما أن هناك قضايا تخص الفرد من بينها حرية المعتقد التي يدخل ضمنها الإفطار لانه جزء من المعتقد نفسه، لا أعتقد أنه في معاملاتنا نسأل الأفراد عن معتقداتهم أودرجة تدينهم... مثله مثل الصيام الأمر شخصي ويجب الحفاظ على طابعه الفردي، الشخصي.
تغييرالقانون الجنائي ستفرضه حتمية تطور الحقوق، والمعركة هي مع النص القانوني ومع المشرع وليس داخل المجتمع أو مع المجتمع....والنزول للشارع بالشكل الذي يطرحه البعض هو "تحدي" لأغلبية المجتمع نظرا لحساسية طقس الصيام و قيمته الرمزية، وهي مسألة تعود جذورها لأسباب تاريخية وثقافية جعلت من طقس الصيام يؤخد هذا البعد المقدس لدى غالبية فئات المجتمع، أكثر منها دينية. 
عايشت في مرحلة الجامعة وبعدها أصدقاء لي كانوا يفطرون وكنت أصوم، لم أشعر يوما انهم يمسون شعوري... هذا الموقف قد لا يكون هو نفسه الموجود داخل المجتمع، لأنه مرتبط بالقيم التي نؤمن بها على الصعيد الفردي وهنا مربط الفرس من يريد تغيير وضع معين قبل أن يقرر الاصطدام مع الشارع عليه أن يناضل لتغيير قيمه السائدة التي تجعله يؤمن بتوسيع مجال الحريات الفردية على رأسها حرية المعتقد و ما يصاحبها من طقوس.
معركة القيم هي أساسية و لها راهنية،لأنها تربي في المجتمع احترام اختيارات الأفراد الدينية و العقائدية، ولأنه للآن ليس هناك قرار فوقي من طرف الدولة بالتقدم في هذا المجال لأنها قد تعي ردة فعل المجتمع، فالاشتغال وسط المجتمع لنشر ثقافة احترام الحريات الفردية في شموليتها وكونيتها هي معركة لها اولويتها الحقوقية والثقافية لأنها فقط من قد تدفع المجتمع إلى تقبل بعض الاختيارات الفردية العقائدية والشعائرية، وهي معركة قد تكون طويلة لكن لها أساسية في معركة نشروتطورالحقوق، وهي تسبق معركة الاصطدام مع المجتمع وقيمه السائدة التي قد تتسامح ما الإفطار الغير العلني، الذي يتم مجال خاص و ضيق، وقد ترفض الإفطار العلني خاصة عندما لا يكون عفويا، بل منظما وهنا قد تكون ردود الفعل السلبي من المجتمع أو بعض فئاته و ليس من الدولة نفسها.