الخميس 18 إبريل 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري:الخيال وبناء المعرفة

محمد بوبكري:الخيال وبناء المعرفة محمد بوبكري
يعتبر الحديث عن الخيال الغائب الكبير في خطابنا التربوي. وإذا كان لكل طفل خيال، فماذا يمكن فعله لإيقاظه وتغذيته وتنميته؟
ليست التربية مجرد ميكانيكا؛ فعندما نربي أطفالنا على الجوانب الميكانيكية للحياة اليومية، ونقتصر على تمكينهم من القدرة على تخزين المعلومات وتذكرها، وعلى القيام بالعمليات الحسابية أوتوماتيكيا، وكذلك معرفة الكلمات وتهجِّيها، فذلك لا يعني بتاتا أننا نقوم فعلا بتربيتهم على أحسن وجه.
لكي يصير الطفل راشدا بشكل متكامل نسبيا، يجب عليه أن يعرف كيف يتخيل حياة خاصة به، وأن يتعلم كيف يسير في اتجاه تحقيق تلك الحياة، لأن حرية الكبار تنهض على قدرتهم على التخيل صغارا.
لقد كان يُنظَرُ إلى الخيال عبر العصور بكونه غير مُجد في المعرفة، إذ اعتبره باسكال Pascal منبعا للخطأ الذي ينبغي أن يحذره الفكر. كما تم العمل في القرن الثامن عشر على انتشال المعرفة من كل ما هو غير علمي، فساد الاعتقاد بوجوب ارتكاز عمل الفلسفة على تخليص العلم من كل أسطورة، ومن ثمة استحوذ العلم كليا على العقل (Michel Serres, 1992)، فتعرضت الديانات والإنسانيات للرفض، وامتد ذلك أحيانا إلى التاريخ، حيث كان يُنظر إلى هذه الحقول المعرفية باعتبارها تتوجه نحو اللامعقول. وقد أكد القرن التاسع عشر هذا الموقف، بل وما يزال هذا التصور ساريا حتى اليوم في تاريخ العلوم ولدى أغلب المشتغلين بها وعند رجل الشارع كذلك.
يفصل مجتمعنا فصلا قاطعا بين العلم والخيال، مما ينم عن قصور مفهومنا لكل واحد منهما. فنحن لا نفهم طبيعة الآداب والفنون، ولا دورها في تقدم الحضارات والمجتمعات والأفراد. كما لا نعي أنها كامنة وراء قوة الغرب العلمية والاقتصادية...، مما يفسر كون العلوم والتقنيات لم تشكل بعدُ جزءا من ثقافتنا، ويفند كل الادعاءات التي تفصل الجوانب الروحية والوجدانية عن الجوانب المادية، ويبدد أوهامنا حول فهمنا لتراثنا، ويبرهن عن حاجتنا الماسة إلى المزيد من الإبداع الأدبي والفني...
ولم يفلت نظامنا التعليمي ذاته من قبضة هذا التصور، إذ من المؤسف أنه يقوم بإحداث قطيعة بين العلوم والآداب والفنون. لقد كتب ليفي بريموLevi Primo حول هذه الظاهرة، في سنة 1995 ما يلي: ‘’لم يعرف هذه القطيعة دانتي، ولا ليونار دو فانشي، ولا جاليليو، ولا ديكارت، ولا آينشتاين، ولا بناة الكاتدرائيات القوطية المجهولون، ولا ميكائيل أنجلو، ولا الفيزيائيون الذين تنتابهم الحيرة في قياس ما لا يقاس".
ولا تقف المدرسة المغربية عند حد الفصل بين العلم والخيال، بل إنها تقوم بتدريسهما عبر مواد تعليمية يظن البعض أنها تتعارض فيما بينها. وهذا ما جعل مدرستنا تفصل بين الخيال والعلم وتعتبرهما متناقضين؛ فهي تنظر إلى المتخيل باعتباره عائقا في وجه بناء الواقع، ويدفع إلى التقاعس عن الفعل والعمل، ومن ثمة كثيرا ما يتم نعت التلاميذ الحالمين بكونهم يعيشون في القمر. وعلى العكس من ذلك، يُنظر إلى العلم بكونه يُمَكِّن الإنسان من معرفة الحقيقة والعمل والبناء. وتبعا لذلك، يبدو أن هناك رغبة في قتل الخيال لدى التلميذ، بدعوى أنه يشوش على تعلمه ويحول دون ارتكازه على الواقع وبناء معرفة عملية منسجمة معه!... وعلى النقيض من ذلك، عندما يتعلق الأمر بإنتاج النصوص في المواد الأدبية والفنية، يصير التلاميذ مطالبين بأن يكونوا ذوي خيال، بل يُلاموا على عدم امتلاكه. فهل يمكن الفصل بين الواقع والخيال أم هما وجهان لنفس العُملة؟
إن المسألة، في العمق، أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الظاهر. يجب أن نعي، أولا وقبل كل شيء، بأنه لا يمكن فصل أي مقاربة علمية عن مجموعة من العناصر الثقافية والنفسية والاجتماعية؛ ففي سن الثانية أو الثالثة، يمتلك الأطفال مجموعة من المعارف العلمية، لكنها تكون، في أغلبيتها، ممزوجة بالعواطف والخيال ومغلفة بهما. فقبل معرفة أصل الصاعقة، مثلا، كان بعض الناس يتوهمون أنها تعبير عن غضب الآلهة. ويقوم كل من الإنسان البدائي وإنسان اليوم والراشد الذي يخضع للتكوين بالسلوك نفسه عندما يكونون أمام مواضيع يجهلونها. فمن الممكن أن يتم ربط المضمون النظري بالمتخيل عن وعي أو عن غير وعي. وفعلا، لكي يفهم المتعلم الواقعَ فهو لا يستخدم فقط بنياته المعرفية أو العاطفية أو الاجتماعية، بل يُسخِّرُ كل ما لديه باعتباره شخصا (G. De Vecchi et N. Carmona-Magnaldi).
ينبغي على التعليم ألا ينخرط في الاضطلاع بتعويض الخيالي بالواقعي، بل يجب عليه أن يستعملهما بشكل متكامل دون أن يفصل بينهما. نعرف جيدا أن كل واحد منا يمنح معنى للظواهر والأشياء والأفكار... انطلاقا من إمكاناته، وأن ما يفعله الباحث أمام ما يجهله هو تخيل الفرضيات والنماذج التفسيرية. لقد كتب فرانسوا جاكوب ‘’François Jacob’’: "كان معهد باستور Pasteur فضاء للخيال والنقد بدون حدود، حيث يقتضي الأمر ابتكار الممكن بشكل مستمر... من أجل تجريبه للتأكد من صحته عبر وضعه في مواجهة مع الواقع. وقد كان يعني القيام بالتجارب منحَ كامل الحرية لكل الأفكار التي تخطر ببالنا".
ويستمر قائلا: ‘’لقد اكتشفت متأخرا جدا الطبيعة الحقيقية للعلم وللعلماء، فوجدت عالما للعب والخيال، عالما من البدع والهواجس. وما فاجأني هو أن من توصلوا إلى اللامتوقع لم يكونوا فقط رجال معرفة ومنهجية، بل كانوا يمتلكون عقولا غريبة ويعشقون ركوب المصاعب . إنهم كائنات تمتلك رؤية منافية لما يراه العقل البشري. إنه انتصار التميز".
ثم يستطرد قائلا: ‘’على عكس ما كنت أراه لمدة طويلة، فمقاربة العلوم التجريبية لا ترمي إلى تفسير المجهول بالمعلوم، كما في بعض البراهين الرياضية، بل إنها، على العكس من ذلك، ترمي إلى الانتباه لما نلاحظه انطلاقا من خصائص ما نتخيله، أي إلى تفسير المرئي باللامرئي. لقد كانت "المقاربة العلمية’’ تبدأ بابتكار عالم ممكن أو جزء منه لتجريبه عبر جعله في مواجهة مع العالم الخارجي، فسمح هذا الحوار اللانهائي بين الخيال والتجربة بتشكيل تمثل أكثر دقة دائما مما يسمى بالواقع".
وفعلا فالخيال ضرورة، حيث عندما يستعصي على الباحث النفاذ إلى الواقع، فإنه يُحبّ ركوبَ كل طرق الخيال، إذ تزداد حريته باتساع مدى جهله بما يبحث فيه (J. Testard, 1988). ويذهب باشلار G. Bachelard بعيدا إذ يرى أن الخيال أسبق، فيعتبر أننا، نفسيا، من صنع ما نتخيل، وأنه لا يمكننا أن نبني إلا ما حلمنا به. وعليه، لا يمكن مساعدة التلميذ عبر الشرح ومده بالحلول جاهزة، وإنما عبر إيقاظ خياله لكي ينشط تمثلاته التي تساعده على إيجاد حلوله الخاصة.
لا يتعلق الأمر عند الأطفال، خصوصا، بتذويب الخيالي والواقعي الواحد في الآخر، بل من الضروري أن يشعروا بالاختلاف القائم بينهما ليتمكنوا من التمييز الواضح بين ما يدخل في إطار نظام الواقع وما يدخل في نطاق نظام المتخيل. والأمر نفسه يسري على الكبار (E. Telssier, 1994).
كيف يمكن التوفيق، في الممارسة المدرسية اليومية، بين هذين البعدين المتناقضين ظاهريا عندما يختلطان؟ يبدو أن الانطلاق من وضعية تمنح مكانا للمتخيل، لدى الأطفال الصغار خصوصا، يمكن أن يشكل مدخلا جيدا لتحقيق ذلك التوفيق، لأنهم يمتلكون، على المستوى العلمي، معطيات قليلة، ومن ثمة فهم يحسون بأنهم في وضعية مفتوحة يكون كل شيء فيها ممكنا. ومن المفيد، في مرحلة أولى، العمل على ظهور ما تستحضره الذات، ليتم البحث بعد ذلك عما يمكن أن يكون على علاقة بالواقع. وتكمن الفائدة الكبرى فيما تثيره هذه الوضعية من أسئلة.
إن الإنسان لا يفهم إلا بالارتكاز على تمثلاته، ويأتي المتخيل باستمرار لينضم إلى تجاربه ليساعده على تأويل الواقع. فهذا الانضمام وهذا الذهاب والإياب المستمر بين تقارب الفكر واختلافه هو ما يقوده إلى صياغة الفرضيات التي يجب أن يختبر صحتها عبر مقاربة صارمة حتى تصير علمية.
أمام بعض الأسئلة التي قد يواجهها المتعلم دون أن يعثر لها على جواب، يمكن للمتخيل أن يأتي بتفسيرات قابلة للفهم ومطمئنة، وتمكن من انتظار التسلح أكثر من أجل استعمال عناصر تنتمي إلى حقل الواقع. وفعلا، لقد كان الإنسان عبر التاريخ في حاجة إلى الأساطير لتفسير نشأة الكون وكل ما كان يراه غامضا. وفي الاتجاه نفسه، يقترح علينا برونو بتلهايم Bruno Bettelheim، لطمأنة الطفل، أن نلجأ إلى الأدب والحكايات الخيالية. فقد يظن الطفل، مثلا، أن الأرض راسية على ظهر سلحفاة أو أي شيء آخر، لأنه يكون عاجزا عن إدراك أنها تدور في الفضاء. فهذا تفسير مطمئن وكاف له إلى حين يصير قادرا على فهم وتقبل تفسير آخر أكثر عقلانية. ولقد ساد الأمر نفسه لدى واضعي الخرائط الأوائل الذين كانوا يعانون من صعوبات كبيرة في تقبل أن الأرض كروية الشكل. ألم يكتب بعضهم: ‘’ يسكن التنين فيما وراء هذه الحدود ‘’limites’’؟
ويرىHenri Laborit أن المتخيل يساهم في خلق طريق ثالث يتيح الانفلات من الاختيارات المستحيلة أو المانوية؛ بدلا من أن يصبح الإنسان عدوانيا أو أن يقمع كل شيء، من الأفضل له الهروب بالمعنى المجازي أحيانا مستعملا هذا المتخيل عند الاقتضاء. فهذا المتخيل يمكننا أحيانا من إيجاد حل أصيل ملائم لحالة كل واحد. ويمثل النظر إلى الأمور من خلال ثنائيات متضادة (أبيض وأسود)، دون التعرف على التدرج بين هذين اللونين في العلاقات والتداخلات، فكرا غير علمي. ويرجع ذلك إلى كونه يبسط الواقع ويختزل مختلف أبعاده... أضف إلى ذلك أن المعرفة العلمية معرفة مفتوحة ولا نهائية وغير مطلقة. وتكمن وظيفة العلم في تحديه المستمر لثوابته الخاصة، وفي دحضه المستمر لما توصل إليه هو ذاته من نتائج. وهذا ما يمنح مكانة مهمة للخيال في بناء المعرفة...
وفعلا، فالعالم لا يكون إما أبيض أو أسود، بل يجب أن نفكر في الممكنات الكثيرة الموجودة بينهما، تجنبا للسقوط في وضعيات مأساوية تتسم بالعنف والعسف واللااستقرار...
وهكذا، فبناء المعرفة ليس فقط مسألة تقنية كما يجري الترويج له كثيرا اليوم! يمكن للمدرس أن يساعد التلميذ على الوعي بالدور المهم والمكمل للمتخيل في أنشطة التأمل وبناء المعرفة.
نحن أمام سجلين يفرضان نفسيهما علينا:
1) الواقعي الذي هو حيِّز الوقائع والأشياء والكائنات في ذاتها، دون أخذ بعين الاعتبار للكلمات والرموز التي تدل عليها؛
2) المتخيل الذي يعني الصور التي ننتجها، في استقلال عما يمكن أن تدل عليه. وانطلاقا من هذين السجلين يتم تحليل العالم، وإنتاج الرموز (كتابات، نماذج تفسيرية، قواعد رياضية...) (G. De Vecchi et N. Carmona-Magnaldi)
يجب، إذن، بناء الرمزية la symbolique، أي "سجل الكلمات والصور وأشكال أخرى بكونها أنساقا للتمثل، وعلامات تمتلك دالا ومدلولا واحدا أو عدة مدلولات " (J -P. Obin).