الثلاثاء 25 يونيو 2019
كتاب الرأي

بوعزة كريم :الشعوب العربية تؤدي ضريبة سلطوية الجيش وتهور الحاكمين..

بوعزة كريم :الشعوب العربية تؤدي ضريبة سلطوية الجيش وتهور الحاكمين.. بوعزة كريم
في دراسته لما سمي بالموجة الثالثة للديمقراطيات (la troisième vague de démocratisation) التي ظهرت مع جنوب أوروبا (اسبانيا 1975- البرتغال 1974...)، ثم امتدت خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات لتشمل أمريكا الجنوبية (الأرجنتين 1983- البرازيل 1985)، وشرق أوروبا (اليونان)، لم يستحضر "سامويل هنتنجتون" الشعوب العربية ضمن الموجة الثالثة من الديمقراطيات متوقعا شأنه شأن باقي المختصين بأن الشعوب العربية محكوم عليها بأن تجعل الأنظمة الديكتاتورية قدرها المحتوم، محددا محفزات الانتقال الديمقراطي في:
- تأثير الصراعات العسكرية l'impact des conflits militaires
- الأزمات الاقتصادية les crises économiques
- تأثير البيئة الخارجية le stimulus de l'environnement externe
- إستراتيجية الفاعلين السياسيين والمدنيين les stratégies des acteurs
هذه المحفزات اتضح مع الوقت أنها كانت إحدى الأسباب التي ساهمت في سقوط عدة انظمة عربية (بنعلي تونس- مبارك مصر- القدافي ليبيا)، لكن المختصين وعلى رأسهم "هنتنجتون" لم يتنبؤوا الى أن مفهوم الديمقراطية سيظل غائبا في هذه الدول حتى بعد سقوط أنظمتها السلطوية والديكتاتورية.
وفي قراءتنا لما جاء به Guillermo O'Donnell و Philippe Shmitter في دراستهم للديمقراطيات "démocratization studies" خاصة في شمال افريقيا، نفهم أن الانتقال الديمقراطي قد يفرز أنظمة أشد سلطوية من التي تم اسقاطها وهذا ما يظهر من خلال تعريفهم للانتقال الديمقراطي بأنه "الانتقال من نظام معروف الى نظام مجهول شيء أخر"
وبالرجوع الى هذا المفهوم يظهر أن دولا كليبيا مثلا انتقلت من نظام "قدافي" معروف بسلطويته وحماقاته إلى نظام مجهول وبالتالي دخول البلاد في اللامجهول وفي أزمة قد لا تنتهي وهو نفس الآمر بمصر مع "السيسي"، والنتيجة إعدام المواطنين وإراقة الدماء وقتل الأبرياء ومغادرة الشعوب لأوطانهم مكرهين...
وبالعودة إلى محفزات الانتقال الديمقراطي والتي حددها هنتنجتون في أربع، يظهر جليا أن كل الثورات العربية قادتها الشعوب (خاصة الشباب) بملئها للشوارع والساحات مطالبة بانتقال ديمقراطي حقيقي إلا أن الواقع شي اخر حسب مفهوم شميتر، هذا الشيء الاخر هو استغلال الجيش لمطالب الشعوب والركوب عليها وفرض رؤساء على المقاس وبالتالي إعادة إنتاج أنظمة عسكرية غير رحيمة بشعوبها وهذا ما يقع بالجارة الجزائر والسودان اليوم بعد انقلاب الجيش على النظام بل واعتقاله والاحتفاظ به في مكان غير معروف.
خلاصة القول، أن الانتقال الديمقراطي الذي عرفته أوروبا وأمريكا اللاتينية، قادته الشعوب نتيجة التدهور الاقتصادي الخانق "رغيف الخبز" لكنها استطاعت أن تثبت الديمقراطية والمؤسسات، الأمر الذي لم يحصل اليوم بكل الدول العربية التي تتوق شعوبها إلى الحرية والديمقراطية ودساتير متقدمة تحفظ كرامتهم وأمنهم الغذائي.
بوعزة كريم/ باحث في القانون العام