الثلاثاء 25 يونيو 2019
كتاب الرأي

حسن الخطابي : الجزائر بين استمرارية النظام والإنتقال الديمقراطي

حسن الخطابي : الجزائر بين استمرارية النظام والإنتقال الديمقراطي الدكتور حسن الخطابي أستاذ القانون والعلاقات الدولية كلية الحقوق جامعة الحسن الأول بسطات

كانت أهم ظاهرة ميزت الحياة السياسية الجزائرية، في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، التعديل الدستوري الذي تم في نوفمبر 2008، الذي كان يرمي إلى السماح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالحصول على ولاية رئاسية جديدة من خمس سنوات، بعد انقضاء ولايته الثانية في سنة 2009 . في يناير2011 اندلعت الإضطرابات في الجزائر، متأثرة بما حدث في تونس، أخذت طابعا وطنيا دفعت النظام الجزائري إلى الإستجابة للمطالب المعيشية دون المطالب السياسية . وكنتيجة لإلحاح الشارع الجزائري على ضرورة اتخاذ قرارات سياسية نافعة، سارعت الحكومة الجزائرية إلى رفع حالة الطوارئ التي دامت حوالي 19 سنة، مابين 1992 و 2011، ودشنت مجموعة من الإصلاحات تتمثل في : تحديد أسعار المواد الغذائية الأساسية، والإعلان عن إعفاءات مؤقتة واستثنائية على رسوم الإستيراد وضريبة القيمة المضافة والضريبة على الشركات، بالنسبة إلى السلع الأساسية التي تعرف استهلاكا واسعا. كما أعلن الرئيس عن نيته إجراء تغييرات في القوانين، وشدد على ضرورة تعميق العملية الديمقراطية في الجزائر، على فرض أن الديمقراطية متوفرة في البلاد .

وسيقدم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في ماي 2014، بعد انتخابه لولاية رئاسية رابعة، وثيقة للتعديلات الدستورية، وكلف وزير الدولة أحمد أويحيى بإجراء مشاورات بشأنها مع الأحزاب والجمعيات والشخصيات السياسية . وقد شملت التعديلات المقترحة 47 مادة من الدستور همت عدة مسائل منها : تقييد الفترة الرئاسية بولاية واحدة قابلة للتجديد لمرة واحدة، تعزيز بعض الحقوق والحريات العامة، منح صلاحيات إضافية للوزير الأول، توسيع صلاحيات غرفتي البرلمان، تدعيم استقلال القضاء، وإعادة النظر في تنظيم المجلس الدستوري وتعزيز استقلاليته . لقد سوق النظام السياسي الجزائري لإصلاحات سياسية يدعي من خلالها إرساء نظام ديمقراطي حقيقي، إلا أن هذه الإصلاحات كانت مثار جدل واسع حول مدى جديتها في تحقيق الهدف المنشود، لكونها جاءت في ظل تحولات إقليمية متسارعة وضغوط شعبية متزايدة، و كرد فعل هدفه امتصاص غضب الشارع الجزائري المتأثر بالحراك العربي .

في 22 فبراير 2019 اندلعت في العديد من المدن الجزائريّة حركة احتجاجية للمطالبة بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة، بعدما رشحه حزب جبهة التحرير الوطني وأحزاب الموالاة للمشاركة في السباق الإنتخابي، رغم حالته الصحية المتدهورة منذ أصيب بسكتة دماغية سنة 2013 . في 26 مارس 2019 تبنى الجيش الجزائري موقف الجماهير المحتجة واتخذ قراره بوجوب رحيل الرئيس بوتفليقة، وأعلن تفعيل المادة 102 من الدستور لإعلان شغور منصب رئاسة الجمهورية، وسيضطر الرئيس الجزائري إلى تقديم استقالته من منصبه في 2 أبريل 2019، بعد فشل خارطة الطريق التي طرحها في 11 مارس، عشية عودته من رحلته العلاجية في سويسرا، بتأجيل الإنتخابات الرئاسية وعدم ترشحه لها .

اليوم تقف الجزائر أمام طريقين : الطريق الذي يقترحه الجيش والأحزاب الموالية للنظام، استنادا إلى أحكام الدستور، الذي يهدف إلى الحفاظ على النظام والإكتفاء بتغيير شخص الرئيس، وتنظيم انتخابات رئاسية في غضون 90 يوما من استقالة الرئيس، مستفيدين من عدم قدرة الحركة الاحتجاجية على تقديم مرشحين قادرين على الفوز بالرئاسة . الطريق الثاني تدعو إليه الحركة الاحتجاجية التي تسعى إلى تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، وهو طريق يتطلب تعديلا دستوريا وانتخابات حرة ونزيهة، كما يفرض على النظام التخلي عن تقديم رموزه للإنتخابات وتنظيم حوار وطني مع قوى المعارضة والمحتجين . ويبقى السؤال المطروح أي الطريقين سيفرض نفسه على الساحة السياسية الجزائرية في المقبل من الأيام؟  

الدكتور حسن الخطابي  أستاذ القانون والعلاقات الدولية كلية الحقوق جامعة الحسن الأول بسطات.