الاثنين 24 يونيو 2019
منبر أنفاس

عبد المنعم الكزان :اللغة و بابا الفاتيكان

عبد المنعم الكزان :اللغة و بابا الفاتيكان عبد المنعم الكزان
لم تكن خرجة بنكيران، ولا إتحاد علماء المسلمين صدفة و قضاء وقدرا؛ بل كانت محسوبة، نتيجة إحساس قوى للإسلام السياسي في شمال إفريقيا والشرق الاوسط ، بأن زمن السطو على العقول بالعمل على احتكار المقدس الديني كرأسمال للهيمنة السياسية قد ولى، وأن الإستفادة من السلطة ومن الامتيازات المادية والمالية والسياسية والمعنوية باستعمال الدين قد انتهى .
وما زاد من حدت إعلان حالة الاستنفار هذه، هو هزيمة حزب العدالة والتنمية التركي في المدن الكبرى في الإنتخابات المحلية، بحيث أصبحت حاضنات الإسلام السياسي تنحصر دائرتها بشكل تدريجي.

قد يتفق الجميع، أنه لا تخلو أعراس المغاربة من الزغاريد والصلوات على النبي، كما لم تخل أشعار الصحابة من الآيات القرآنية،أما بشكل كلي أو على مستوى المعنى ،وعليه ذهب كل المسلمين في المشارق والمغارب ومن بينهم أصحاب المذاهب الأربعة الإمام الشافعي مثلا ،وتطورت الأمداح، وأناشيد الذكر، الأغاني ومن بينها رائعة صوت الحسن الثاني لجيل جلالة ، ثم أغاني ناس الغيوان . ...و اللائحة طويلة، بل شكل المنشدون بالأناشيد المسماة الإسلامية والتي هي كذلك مخلوطة بالتكبيرات، والاقتباسات القرآنية كأدوات استقطاب مهمة لحركات الإسلام السياسي نفسها عبر الأشرطة والكتب الصفراء التي تهدى ولاتباع ، أيام "السيبة الدينية" في الحافلات والناقلات والمقاهي والأسواق…

هذا التقديم جاء ردا على خرجة الناطق الرسمي لحركة الاخوان المسلمين الريسوني تحت غلاف مايسمى " الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي خرج ببيان، مباشرة بعد زيارة البابا فرانسيس للمغرب يوم السبت و الأحد الفارطين، والذي على شرفه أقام الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين حفلا فني كبير إحتفاء بزعيم المسيحيين في العالم نظمه معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، بحيث كل موحد تغنى بالتوحيد على طريقته، فوحد المنشد المغربي الابتهالات بالعربية ، فيما تغنت المنشدة اليهودية بالعبرية،والمسيحية باللاتينيةالقديمة، فهل الغناء المشترك بين المنشدين أخرجهم عن ملتهم؟

خرج الناطق الرسمي باسم "إتحاد حركة الاخوان المسلمين" بالبيان أو فتوى الولاء و البراء، حيث اعتبر هذه الوصلة "الفنية "استخفافا بمقدسات الأمة والثوابت الشرعية ، و أيده بعض من اتباع الوهابية المتطرفة من بقايا أحداث 16ماي، الذين أفتوا بتحريم الوصلة الفنية شرعا .

لا يخفى على المهتمين أن ما يسمى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أسس من طرف قطر وتركيا و وحركة الإخوان المسلمين بمصر بدعم أمريكي في إطار الاعداد لمشروع الشرق الأوسط الكبير ؛وكان للحمداوي والريسوني والمقرئ أبوزيد ......دور كبير في تأسيسه، وهذا ما يفسر المساحة الإعلامية الكبيرة التي أعطيت لبيانه من طرف قطر وتركيا .

كما لا يخفى على المهتمين أن مايسمى رابطة رابطة علماء المسلمين، آلية لنشر الوهابية في العالم العربي والإسلامي والتي كان الدعم في أوجه في مرحلة الحرب الافغانية نتيجة احتضانها من طرف أصحاب البيترودولار في قمة صراع الحرب الباردة؛ لتفرخ فيما بعد القاعدة ثم داعش.

إن ما يفسر الخلفيات وراء بيان هذين التنظيمين على زيارة سماحة البابا فرنسوا للمغرب، واستقباله من قبل ملك المغرب، استقبالا تاريخيا يزخر بالكثير من الدلالات والإشارات، بذريعة انتقاد الأنشودة التي مزجت بين ترانيم الأديان الإبراهيمية الثلاثة: الإسلام، المسيحية واليهودية، بمعهد تكوين الأئمة بالرباط، بكل ما يحمل هذا المعهد من قيمة دينية باتت تحظى بسمعة دولية.
هو الخوف من انتشار النموذج المغربي عن طريق بوابة الفاتيكان والعالم المسيحي، لمحاربة التشدد الإخواني والوهابية المتطرفة .
أما هجمة بنكيران فما هي إلا امتداد وصدى لهجمة هذين التنظيمين ، في غلاف لغوي بدعوى الدفاع عن الهوية ومحاربة الاستعمار، وكما قلنا سالفا الأولى أن تعطوا القدوة بأبنائكم الذين يدرسون بالخارج والمدارس الخاصة ، بينما تعيقون كل محاولة لتكريس تملك أبناء الفئات الشعبية للرأسمال اللغوي ، عبر خلق وهم لدى المغاربة أن البحوث العلمية في المغرب في الطب وغيرها يمكن أن تتم باللغة العربية ، وهذا هو الزور والبهتان الحقيقي !! فلقد أصبح من المعلوم بالضرورة أن من يمتلك الرأسمال اللغوي الأجنبي أكثر ، فإنه يستطيع أن يحظى بمكانة ثقافية واقتصادية كبرى في المجتمع، وهو الأمر الذي تم تكريسه في هذا الحفل البهيج بحيث تم تداول ست لغات ( العربية، والإنجليزية، والإسبانية، و الفرنسية، واللاتينية القديمة، ثم العبرية ) وهذا الذي لا يمكن أن تسمح القوى المهيمنة بعرقلتها لقانون الاطار حتى يبقى أبناء الفئات الشعبية مجرد سدنة وحراس وخادمين لمصالحها!!
عبد المنعم الكزان، باحث في السوسيولوجيا السياسية