الأحد 25 أغسطس 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري:دراسة الأدب منطلق للتفلسف

محمد بوبكري:دراسة الأدب منطلق للتفلسف محمد بوبكري
من المؤسف أن تُسمي مدرستنا مدرسي "الآداب" بمدرسي اللغة العربية أو اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية...، لأن هذه التسمية تقدم مهنة مدرسي اللغات بكونها كامنة فقط في تدريسها. هذا صحيح إلى حد ما، لكن من المفروض في اختصاصي اللغة ، أن يُدَرِّسَها بحمولتها الفكرية والجمالية؛ أي الأدب والثقافة ... إني أتخوف من أن يظن البعض أنه يمكن الاستغناء عن الأدب والثقافة عند تدريس اللغة، وبالتالي إمكانية فصلها عنهما. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يُعد كارثيا. ينبغي، على العكس من ذلك، الارتكاز على الأدب لمنح السعة والعمق والمعنى للغة التي نمارسها. أضف إلى ذلك أن قراءة الأدب تمكن من النفاذ إلى التاريخ، وإلى أشكال المتخيل الضرورية لانفتاح الفكر والروح والقلب، وهذه هي وظيفة التثقيف عينها (Sallenave Danièle) . ثم إن اللغة عندما تتجاوز مدلولاتها الحسية إلى مدلولاتها الرمزية، فهي تصبح لغة متفلسف.
يفصل بعض الناس ما يسمى بـ "أدب الأطفال" فصلا تاما عن الأدب عموما، كما ينظرون إليه نظرة ازدراء... لكن ليس هناك فرق أساسي بينهما، حيث غالبا ما نتفاعل - نحن الكبار - جماليا وفكريا عندما نقرأ الحكايات الموجهة للأطفال، كما نُقبل عليها بنهم، لأننا نجد لذة في قراءتها... وهذا ما يفسر عشقنا وعشقهم في الآن نفسه لحكايات "الإلياذة" و"الأوديسة" لهوميروس و"كليلة ودمنة" لابن المقفع، و"ألف ليلة وليلة"....
وفضلا عن ذلك، نعرف أن جزءا هاما مما يبدو اليوم ينتمي إلى سجل أدب "الأطفال" لم يُكتب لجمهور الشباب. ينطبق هذا على الحكايات التي تنتمي إلى التقليد الشفوي كما على العديد من النصوص والروايات الكلاسيكية والمجموعات القصصية الموجهة للصغار واليافعين والمراهقين. وتبدو الحدود اليوم بين هذين الأدبين غير واضحة بشكل متصاعد. كما أن هناك عددا متزايدا من الكتاب الذين يراهنون على الذكاء عندما يكتبون للأطفال، إذ لا يكتبون لـ "الأطفال"، بل يكتبون للجميع. ويشير "بوريس مواصار Boris Moissard " إلى أن هناك طريقين للكتابة للأطفال: "ترتكز الأولى على في إقامة الحدود الفاصلة بين كل من الكتابة للكبار والكتابة للصغار، بينما تكمن الثانية في هدم هذه الحدود بينما في الآن ذاته. ويعد هذا الطريق الأخير، بوضوح، طريقا ملكيا. لقد قرأت رواية "ذكريات منزل الأموات" لـ "دوستويفسكي" Dostoievski وأنا في سَنَ الشباب، ولم أفكر لحظة واحدة إن كان هذا النص قد كتب من أجلي. لقد كتب للجميع، لكنني وجدت منفذا إليه. ومن الأكيد أنني لم أفهم الكثير منه، ومع ذلك قرأته. وكذلك عندما قرأت "Les trois mousquetaires" في تلك الفترة، فإنني لم أتساءل أللشباب أم للشيوخ كتب Alexandre Dumas هاتين الروايتين وروايته الأخرى "le comte de Monte-Cristo" ..يبدو لي أن هذه الروايات موجهة للجميع. والأمر نفسه يسري على رواية David Copperfield" لـDickens ورواية "Le vieil homme et la mer" لـ Hemingway، وغيرها من المؤلفات التي تنتمي إلى الأدب العظيم. وأظن أن الكاتب يشبه صاحب سفينة صغيرة للتجول في عرض البحر، حيث تقل الجميع، شبابا وشيوخا، وتبحر بهم... وجوابا على السؤال: "لمن يكتب الأدباء؟" أجاب نابوكوف Nabokov قائلا: "أكتب لجمهور لا محدود من المجهولين الذين يحملون قناع "فلاديمير نابوكوف" Nabokov". وأظن أن قول هذا الكاتب هنا أساسي جدا، إذ إن الكتاب يكتبون لذاتهم وكذلك للجمهور، حيث هناك دائما مٌرسٓل إليه، لكن دون الاهتمام كثيرا بمن يكون هذا الجمهور. إنه يتألف من أناس مجهولين يَتَّحِدون في إطار نوع من الأخوة الفكرية. وأرى أن صيغة Nabokov هذه تعكس حقيقة الأشياء
(Boris Moissard, Ecrire pour tous les ages, in Litérature de Jeunesse, incertaines frontières 2004).
لقد كان يُنظر إلى أدب "الأطفال" لمدة طويلة، بكونه أدبا "موازيا"، بل قد كان بعض الناس ينزلونه منزلة دنيا ويحتقرونه، لكنه أصبح الآن يحظى بالإشادة. ومن الأكيد أنه لا يمكن النظر إلى عدد من المنشورات باعتبارها مؤلفات أدبية، بل بوصفها إنتاجات ترمي إلى تخليق الجمهور وتكييفه وإخباره أو تسليته فقط. وعموما، يستهدف كل كتاب من هذه الكتب فئة عمرية معينة وجنسا معينا... كما تُفترض فيه الاستجابة لانتظارات القارئ وتلبية متطلبات معينة. فلا تتضمن هذه "الأعمال الأدبية" أي طموح أدبي أو فلسفي. كما لا تسعى إلى تحريك مشاعر الذات، ولا إلى زعزعتها، ولا إلى جعلها تفكر وتنمو، بما أن هدفها تجاري محض..
لكن عندما نتأمل في الإنتاجات الموجهة للكبار، فإننا نجد أيضا أن بعضها تجاري وليس أدبيا. وتبعا لذلك، تشيرIsabelle Nieres-Chevrel إلى أن الأدب الموجه إلى الشباب هو أيضا متسم بالتراتبية كما هو الشأن بالنسبة للأدب عموما. إنه يتضمن أدبا مُكَلِّفا ومدعما من قبل النقاد والجمهور... وهكذا، وعلى الرغم من المظاهر، فهذا النوع من الإنتاج غير قابل للتصنيف بأنه "فرع من الأدب"، إذ يخترق الجسم الاجتماعي كله، حيث يزود به الناشرون كل المستويات وكل فئات الأعمار... وهكذا، فالأدب الحقيقي للشباب يفكر كما يفكر أدب "الكبار"، إذ يتكلم خطابا مجازيا حول العالم يمكن أن يهز القارئ ويثيره ويساعده على أن ينمو ويكبر.
تعريف النص الأدبي الموجه للصغار، كالنص الأدبي عموما، بكونه نصا يتضمن درجات قراءة مختلفة على عكس النص المكتوب الوظيفي الخالص. فالنص الأدبي يستطيع - بل يجب - أن يزعزع الذات القارئة ويحثها على الانخراط في مناقشات دلالاته.
وهكذا، فاستيعاب المؤلفات الأدبية يقتضي اشتغالا حول المعنى، إذ يفرض طرح أسئلة حول التاريخ الشخصي، والحساسيات، والمعارف حول العالم، والمرجعيات الثقافية وتجارب القراء. كما أنه يخلق فرصة لتبادل الانطباعات حول العواطف والأحاسيس، وتطوير الأحكام الجمالية والأخلاقية والفلسفية، والشك في الأحكام المسبقة.
إن كونية الخيال الأدبي تجعله يتوجه إلى ما هو حميمي لدى الكائن البشري. فعندما نلتقي بنص أدبي، فإنه يكشف لنا عما في أغوار أعماقنا عبر ألخيمياء alchimie خفية وغامضة. لقد اشتغل "برونو بتلهايم" Bruno Bettelheim كثيرا على الكيفية التي يساهم بها الأدب في بناء الذات، فتبين من خلال دراساته وأبحاث غيره من المحللين النفسيين أن لقاء الإنسان مع الأدب لا يؤثر عليه فقط، بل يساعده على بنائه لذاته ونموها. وهذا اللقاء الأولي هو ما يقوم به القارئ، مما يمكنه من أن يعيش التجربة الأدبية.
إن القارئ هو من يقرأ الكتب، لكنه لا يقرأ أي كتب. ليس القارئ هو من يقرأ كتب الطبخ والخياطة، كما أنه ليس فقط ذلك الذي يقرأ كتب السوسيولوجيا، أو الوثائق التاريخية. إنه من يرى أن هناك بعدا آخر للحياة لا ننفذ إليه إلا عبر المؤلفات التي تكون هي ذاتها تأملا حيا في الوجود، حيث تنمي التفكير في الحياة عملا لا نظرا، عبر أمثلة ووضعيات ملموسة، وكذا من خلال القيام بإخراج وضعيات مماثلة لتلك التي تعيشها الكائنات الحية، والتي تكون متخيلة، ويأتي وضوحها من الإضاءة الفكرية التي يمنحها إياها السارد الذي، يكون لامرئيا وحاضرا في كل مكان في آن، كما يقول فلوبير Flaubert..
تأسيسا عليه، فالأدب طريق للنفاذ إلى المعرفة والحقيقة لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر. ولهذا فالقراءة هي أكثر من ترفيه، على عكس ما يعتقد بعض الناس ويروجون له...
يشكل الأدب تجربة نموذجية للتفكير بالكامل، مما يعني أن هناك نوعا من أشكال أدب الشباب يكتسي أهمية فلسفية حقيقية. ولهذا فهو يشكل نقطة انطلاق هائلة لمرافقة التلاميذ الصغار في تعلم التفلسف. وهكذا، فهناك إمكانية كبيرة لتوظيف النصوص الروائية والمسرحية والشعرية لمساعدة التلاميذ على فهم رهانات المفاهيم التي تتضمنها مقررات مادة الفلسفة كالحب والحرية والمساواة والحق والصفح والموت والهوية... وبناء على ذلك، يمكن أن نفكر في ضوء المقررات الأدبية في تنظيم ورشات للتفكير الفلسفي في سن مبكرة لتمكين التلاميذ في الآن نفسه من استيعاب البعد الفلسفي للأدب وتعلم التفكير بصرامة. لقد حاول بول ريكور Paul Ricoeur ذاته في نهاية حياته القيام بهذه التجربة في الفصل الذي كانت تدرس به حفيدته، وعنها يقول: " طٍُلِبٓ مني أن أعطي درسا في الفلسفة في الفصل الذي كانت تدرس به حفيدتي التي تبلع عشر سنوات. وسيكون للأطفال نص مقروء بالنسبة إليهم حول رمز الكهف لأفلاطون. وسأخاطر بأن أفسر للتلاميذ بأن ما يقال ليس وصفا للأشياء، وإنما خلق لعالم خرافي. وفي هذه الحالة، فالخيال الأدبي تربوي. لقد كان أطفال ذلك الفصل يعرفون «خرافات لافونظين Les Fables de La Fontaine». إنهم مهيئون لفهم وضعيات مماثلة لوضعيات الحياة الواقعية. ويشكل الدخول في القيام بالقياس عملا فكريا. وفي الخرافة، تكُون رؤية الانتقال إلى الأخلاقية moralité خطوة يتم تحضيرها عبر تحول الشخوص-الحيوانات إلى كائنات بشرية، مما يجعل الأدب قادرا على القيام بالتربية على الفطنة. وفي حالة الكذابين والمنافقين الموجودين في العديد من الخرافات، يجب النظر إلى اللغة باعتبارها موضوعا للشك. ويفهم ذلك جيدا تلاميذ سن العاشرة، مما يؤكد الفائدة من تعويد الشباب على قراءة نصوص أعلى من مستواهم. وعلاوة على ذلك، فلكل واحد مصلحة في قراءة كتب صعبة؛ أي أكثر صعوبة من خطابه هو ذاته" (Paul Ricoeur, 2003).