الخميس 20 يونيو 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في تحديث التعليم الديني

محمد بوبكري: في تحديث التعليم الديني محمد بوبكري
  ليس التعليم الديني التقليدي فقط غير منتج، وإنما هو يشكل خطرا على استقرار المجتمع... فالفكر الديني الذي يُفرض في المدارس بدون أية مراجعة نقدية أو تجديد أو تأطير تربوي يتحول بسرعة إلى نوع من الإيديولوجية الطائفية المولدة للعنف والتفرقة. وهكذا، لم تعد فقط برامج التعليم الديني التقليدي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية مناسبة لروح العصر، بل إنها ترسخ وعيا قروسطويا طائفيا يهدف إلى تمزيق المجتمع وجعل وعيه مستلبا... فليس هناك حضور للعقل في تدريس التربية الإسلامية، بل هناك طغيان لفقه القرون الوسطى، وخاصة أكثر مدارسه تعصبا: الحنبلية. لقد تأثر هذا الفقه كثيرا بمناخ الحروب الصليبية الجهادية، كما أنه نشأ في منتصف ليل الحضارة العربية الإسلامية، حيث أصبحت الساحة آنذاك غاصة بالفقهاء المتعصبين الذين كفروا المنطق والفلسفة والمعتزلة والأشاعرة والشيعة الذين أفتى ابن تيمية بأن "من شك في كفرهم فقد كفر". ونجم عن ذلك إغلاق باب الاجتهاد، وتم القضاء على فقه الدراية لصالح فقه الرواية. لقد تجاهلوا البعد الروحي والأخلاقي للقرآن الكريم، وعسكروا آياته، ومنحوه وجها عقابيا. والحال أن المصحف ليس مدونة جزائية ولا موسوعة للعلوم الحربية أو للفيزياء الفلكية أو للجغرافيا أو للتاريخ أو للطب أو لعلم النفس...، بل هو حصرا كتاب روحي كما قالت الفقيهة بنت الشاطئ سنة 1965 ولم ينصت إليها أحد.
ونظرا لكون هذا النوع من التفكير ما يزال مهيمنا عندنا، فإننا نجد التعليم الديني يربي الأجيال الصاعدة على تكفير الفلسفة والعلوم الإنسانية ومناهج العلوم ونتائجها... كما أنه يرسخ الطائفية التي ينعدم معها هاجس الوطن والمواطنة، حيث يكون الفرد تابعا لطائفته، ولا يتجاوز وعيه تخومها وزعاماتها من سياسيين ورجال دين. ولا تشكل الطائفية عقبة في وجه بناء الوطن فقط، بل تشكل أيضا تهديدا للقيم الدينية في نفوس أتباعها بتحويل الدين فيها من التزام بالينابيع الروحية وبالقيم الإنسانية والوطنية، إلى خضوع لشيوخ الطائفة وتقديسهم على حساب الولاء للوطن.
تدافع الطائفية عن مصالح الطائفة من أجل تمكينها من الهيمنة على المجتمع أفرادا وجماعات ومؤسسات... وهكذا، فهي تُغَرِّبُ الإنسان عن إنسانيته بجعله يكره مواطنيه الذين لا ينتمون إلى طائفته. وفي الواقع، لا يدافع أتباع الطائفة إلا عن رجال الدين وأسيادهم مموليهم في الخارج. فالمغلولون يدافعون عن الأغلال المكبلة لهم، وعن الذين سطوا على كينونتهم من أجل استغلالهم، وهم يتوهمون أنهم يدافعون عن حقوقهم وحقوق الخالق في آن !
ولا يعني رفضنا التعليم الديني التقليدي رفض الدين أو رفض تدريسه في المدارس والجامعات. فالدين عنصر مهم من عناصر الشخصية والمجتمع. وهو موجود في حضارات جميع الشعوب، وله تاريخ طويل. من هنا كان لابد من تدريس الدين في المدارس بشكل سليم.
وإذا كان التعليم الديني جزء لا يتجزأ من المنظومة التربوية العامة، فينبغي إصلاحه بهدف جعله يرمي إلى تحقيق غايات المشروع الحضاري العام الذي يهدف اليوم إلى إشاعة قيم التسامح والحوار على صعيد المجتمع وأيضا في مجال العلاقات بين الشعوب...
واستلهاما لروح العصر، ينبغي أن يواكب إصلاح المناهج والبرامج  الدينية  متطلبات العصر، ويتم فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الفقهاء الحنابلة بعد الغزوة الصليبية. كما أنه من المفروض معرفة حقيقة أهداف الأديان ووظائفها التاريخية ومنجزاتها الثقافية ومكانتها...
ويرى محمد أركون أنه يجب تدريس تاريخ الأديان وعلم اجتماع الأديان وأنثربولوجية الدين وتاريخ الأديان المقارن... وإذا لم يتم تبني منهجيات الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية وأسئلتها...، فلن يكون بإمكاننا تطوير تعليم سليم لتاريخ الأديان. وبما أن المجتمعات الإسلامية غارقة في الفكر التقليدي، فيجب القيام بثورات فكرية عديدة تناهض الصورة التقليدية اللاتاريخية عن الدين الإسلامي التي تسيطر عليه حاليا...
ولتكوين أجيال تفكر عن طريق العقل لا عن طريق النقل والتكرار، ينبغي تغيير برامج التعليم في الثانويات والجامعات وتحديثها. يقول محمد أركون إنه يجب أن تروم برامج التعليم الجديدة تحقيق هدفين اثنين: أولهما، تعريف  التلاميذ والطلاب بالجوانب الإنسانية والمضيئة والعقلانية من التراث العربي-الإسلامي، وعدم تركهم فريسة لتيار الإسلام السياسي التكفيري المنغلق. وهذا ما يقتضي توصلهم إلى أن التراث الإسلامي عرف في مرحلة ما من مراحله الأولى مفكرين أعملوا عقولهم وأنتجوا أدبا وفلسفة وعلما، كما أنهم أثروا على أوروبا. ومن بين هؤلاء المفكرين، على سبيل المثال، ابن رشد وابن سينا وابن خلدون والتوحيدي والمعري وأبو سليمان المنطقي وابن مسكويه... وهذا ما يفرض الحفر في نصوص هؤلاء وشرحها وتسهيل قراءتها ودمجها في البرامج التعليمية منذ المرحلة الثانوية. وهكذا سيعرف الطلاب المسلمون والعرب أن أسلافهم قد عملوا على تطوير حركة فكرية إنسانية وعقلانية مهمة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وذلك قبل بروز النهضة الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وهذا ما سيمكن التلاميذ والطلاب من اكتشاف أن الحركة الإنسانية العربية-الإسلامية قد سبقت الحركة الإنسانية الأوروبية-المسيحية بستة أو سبعة قرون. لكن، للأسف، لقد تم إجهاضها بدءا من القرن الثالث عشر.
وثانيهما: ينبغي أن يعرف الطلاب العرب والمسلمون كل مراحل الحداثة الفكرية التي شهدها الغرب منذ القرن السادس عشر إلى اليوم. وهذا ما يستوجب وضع برنامج ترجمة شمولي والانخراط في إنجازه.
وإذا ما سار تغيير البرامج والمناهج الدراسية في هذا الاتجاه، ستبرز حركة تنويرية في مختلف المؤسسات التعليمية، وسيتم وضع حد لتأثير الإسلام الحزبي التكفيري فيها، الأمر الذي سيمكن من تحقيق حلم طه حسين وغيره من قادة التنوير الفكري والثقافي. وهكذا، فلا يكفي توقف الطالب عند معرفة منجزات الفكر العربي الإسلامي في فترة ازدهاره، وإنما ينبغي أن يعرف أيضا منجزات الحداثة الأوروبية وفتوحاتها الأساسية... (محمد أركون).