الخميس 20 يونيو 2019
كتاب الرأي

عبد الواحد الحطابي:ماذا سيربح المغرب من محاكمة البرلماني حيسان؟

عبد الواحد الحطابي:ماذا سيربح المغرب من محاكمة البرلماني حيسان؟ عبد الواحد الحطابي
ماذا ربح وماذا سيربح المغرب، دولة، حكومة، قضاء، من محاكمة البرلماني عبد الحق حيسان، عضو مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والصحافيين الأربعة؟
إنه السؤال الذي يستحوذ اليوم، وبمساحة كبيرة على دائرة اهتمام وانشغال الرأي العام الوطني بكافة مكوناته السياسية وتعبيراته الاجتماعية، والثقافية وكذا الإعلامية، ومعه جزء من الرأي العام الدولي، بعد أن بينت وقائع المحاكمة من خلال مرافعات ممثل الإدعاء، واجتهادات الدفاع بقليل جهد، أن المتابعة لا تقوم على أساس قانوني لغياب الركن المادي في "الجريمة" محط المحاكمة.
كان الأمر سيكون غير ما آل إليه مسار المتابعة من تأويل سياسي، لو أن ممثل الحق العام جاء، أقول جاء، وأشدد على الفعل، بدليل مادي قاطع يثبت في مبناه ومعناه موضوع التهمة: "تسريب"، "نشر"، "معلومات"، "سرية"، "عن سير"، "عمل"، "لجنة تقصي الحقائق"، "حول"، "الصندوق المغربي للتقاعد".
غير أن السياق الذي تندرج فيه هذه المحاكمة الغريبة والاستثنائية في تاريخ المحاكمات السياسية الكبرى التي كانت بلادنا مسرحا لفضائحها منذ ستينيات القرن الماضي، لا يحيد في جوهره، كما أوضحت القيادة التنفيذية للمركزية النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في بياناتها وبلاغاتها النقابية، وأكده الدفاع في مرافعاته، عن كونه سياقا سياسيا، والقرينة: "طرد المستشار حيسان، لوزير الحرب الإسرائيلي السابق الصهيوني عمير بيريس والوفد المرافق له من البرلمان يوم 8 أبريل 2017"، و"مواقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من السياسة العامة للبلاد، وتصعيدها بشكل غير مسبوق، لوتيرة الحراك الاجتماعي".
من هنا، نستمد مشروعية السؤال ونطرحه انطلاقا من السياق السياسي للقضية، لا الجانب القانوني المسوغ في إطاره موضوع المتابعة، لأنه فارغ، ونسأل، من هي الجهة التي أفتت بتحريك المتابعة، وإلى ما تهدف من وراء المحاكمة، إذا ما اعتبرنا أن الجهة المتوفرة على الصفة في إقامة الدعوى ليست الحكومة، وليست رئاسة مجلس المستشارين، بعد أن خرج رئيس المؤسسة الدستورية، حكيم بنشماس بتصريح لوسائل الإعلام الوطنية، يوضح فيه بأن دوره في ملف القضية، لا يخرج عن دور "ساعي البريد". هذا يعني أمرا واحدا لا غير، أن الطرف الأساسي في تحريك مسطرة المتابعة، هي الدولة، أو إن شئنا القول بصيغة أخرى، جهة ما من أطراف دوائر القرار المتعددة في مربعها، لم تستسغ إن بشكل أو آخر، قرار طرد حيسان، أحد كبار مجرمي الحرب، الصهيوني بيريس ومرافقيه من البرلمان المغربي، إلى جانب انزعاجها الشديد من حركة التصعيد في المواقف الاحتجاجية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل وأجندتها النضالية القادمة كما حدد مخرجاتها المؤتمر الوطني السادس المنعقد نهاية شهر نونبر من السنة الماضية 2018.
ولعله من نافلة القول، إن هذه المحاكمة، خطأ سياسي كبير، ويمكن أن تشكل بانزلاقاتها وخلفيات أبعادها السياسية، درسا جديدا في علوم السياسة، وستكون لتبعاتها وهذه حقيقة لامناص منها، آثارا ليس فحسب على القضاء بما يتمتع به من حصانة واستقلالية طبقا لمقتضيات الدستور، بل على صورة المغرب، دوليا، ولدى الهيئات والمنظمات الحقوقية في صيغتها الأممية، سيما وأن مواقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من القضية الفلسطينية، ترتبط بمبادئ النشأة والتأسيس للنقابة، وهذا ما عبّر عنه الأستاذ عبد القادر الزاير، الكاتب العام للمركزية، في إحدى تصريحاته الأخيرة لعدد من وسائل الإعلام الوطنية، بالقول "إن ما قام به المناضل حيسان، في حق الصهيوني بيريس، أناب فيه عن الشعب المغربي بأكمله"، وذلك في إشارة منه إلى قرار الطرد، وشدد في ذات التصريح، على أن محاكمة حيسان، هي محاكمة علنية للكونفدرالية ومواقفها.
إذاً، إذا كانت السياسة أفقدت الحرية، وكيّفتها وفق أجندة محددة المرامي والأهداف، فإن القضاء وحده كفيل بإعادة مكتسبات الديمقراطية إلى فضائها العام الطبيعي، وتحصينها من كل أشكال ومحاولات المسخ والتبخيس والعبث، بتصويب ما ارتكبته السياسة في هذه المحاكمة، من أخطاء، ومحاولة تسخير القضاء لخدمة أهداف تتعارض في جوهرها ومبدأ استقلالية القضاء ونزاهته.
وعلى من يسعى بأكثر من صيغة للضغط على القضاء، من أجل استصدار "عقوبات زجرية" في حق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فإنه يكون لامحالة، أخطأ التقدير، ولَم يقرأ جيدا فيما يبدو، تاريخ هذا التنظيم النقابي، وعليه أن يرفع سريعا يده عن القضاء، ويتوارى بمسافة ضوئية إلى الوراء، لأن الكونفدرالية، أكبر من أن يساور جهة ما، الاقتراب من فرنها الملتهب نارا وطنية في مواجهة كل السياسات والمخططات والبرامج اللاشعبية واللااجتماعية واللاانمائية.
لا نريد أن يعيد تاريخ المحاكمات السياسية بالمغرب، نفسه في قضية السيد حيسان، لأنه في حال العود، وهذا ما لا نتمناه، سنكون، قد قطعنا شعرة معاوية مع الخطاب الملكي لـ9 مارس 2011، وجوهر الوثيقة الدستورية، وتطلعات شعبنا وقواه الديمقراطية في ترسيخ مبادئ وقيم دولة الحق والقانون.
ومرة أخرى، نعيد السؤال، ماذا ربح وسيربح المغرب، دولة، حكومة، قضاء، من محاكمة السيد حيسان، والصحافيين الأربعة؟..
وتبقى الكلمة للقضاء.