الجمعة 25 سبتمبر 2020
فن وثقافة

تراث المرددات الغنائية النسائية رسخ القيم الانسانية وحصن الموروث الثقافي الشعبي المغربي ( 01 )

تراث المرددات الغنائية النسائية رسخ القيم الانسانية وحصن الموروث الثقافي الشعبي المغربي ( 01 ) بعض الباحثين يرجحون فرضية اعتماد إيقاع سنابك الخيل في غناء العيطة خلال سفر "الركب"
إن نموذج المرأة/ الأم التي كان يفاجئها المخاض أثناء موسم الحصاد بالحقل رفقة زوجها دون قلق، وتضع جملها /جنينها بجانب قطيع الأغنام والأبقار... فتهديه ثديها بسخاء، لإرضاعه حليبها الدافئ، فوق حشائش التبن، وتحت أشعة الشمس، وتعود مسرعة للخيمة لإعداد الكسكس لفريق الحصادة، وطهي شربتها السحرية (الحليب الممزوجة بحبرشات والبيض البلدي) لإنعاش وتقوية ذاتها، هي نفسها المرأة التي خففت من ألمها بالعمل الشاق والمتعب، رفقة أفراد أسرتها، بالزغاريد والغناء والمواويل، معلنة عن قدوم المولود، في انتظار أن تتحلق حولها نساء القبيلة والدوار، من أجل مساعدتها ومشاركتها وترتيب حفل عقيقة الفرح بفحلها الجديد ، وتحديد زمن عرس ختانه مستقبلا، هي نفسها المرأة التي ستخلق السعادة والفرح خلال عرس زواج ابنها بمردداتها الغنائية الرائعة رفقة زميلاتها البدويات لاستعادة صور زمنهن الجميل .
فقد أكدت العديد من المصادر التاريخية والأبحاث الاجتماعية المرتبطة بالموروث الثقافي الشعبي، أن المرأة المغربية البدوية سواء تلك التي ارتبطت حياتها بأعالي قمم ومرتفعات الجبال أو السهول والهضاب، قد لعبت دورا أساسيا في نقل وتداول وترسيخ مجموعة من القيم الإنسانية عبر الموسيقى والإيقاعات والغناء، إنها (المرأة / الأم) التي ناضلت بتفان على انصهار وتلاقح الموروث الثقافي الشعبي الأمازيغي والعربي، وحافظت على أرقى أشكال التعابير الغنائية الجميلة التي أنتجتها المرأة العاملة بجانب الرجل داخل البيت وخارجه دون حرج، وارتقت بنظمها البسيط، إلى فن القول والشعر ، من خلال مرددات غنائية نسائية على شكل مواويل وآهات بأصواتهن الشجية والعذبة ، و تفننت في أدائها الغنائي في مختلف المناسبات الخاصة بين أفراد الأسرة والعائلة، أو المشتركة بين أفراد القبيلة. ( الاحتقال بمنتوجات الحقل والخيمة / الحمل والزواج / الولادة / العقيقة / الختان/ الفرح/ الحزن / القلق...، كما تغنت بالشجاعة والفروسية والشهامة والرحيل والفراق والجود والكرم..).
إن أجمل أشعار / النظم ، المتداولة اليوم من خلال تراث مرددات الغناء النسائي، التي كان لها حضور قوي في المعيش اليومي، قد ولدت من رحم بيئة المجتمع البدوي بكل تفاصيلها، وأفرزتها تقلبات الزمن، ومواجع وأحزان وأفراح الأرض والطبيعة في علاقة الإنسان بحصيلة الموسم الفلاحي والزراعي، واستقراره وأمنه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث أبدعت المرأة / المرددة ( الطباعة) في هذه الممارسة الفنية التي تعتبر ركيزة داعمة في صناعة الأفراح وإقامة الاحتفالات والأعراس، وتقاسم الحزن مع القبيلة في وقت الشدة والمحن وأحلك الظروف.
بمختلف ربوع الوطن ومجالاته الجغرافية، كان للبدوي / الفلاح البسيط/ والراعي حضوره الفني والإبداعي والموسيقي في خلق الإستئناس وطرد شبح الخوف من محيطه الزراعي والفلاحي والرعوي، وهو يتمرن على آلته الموسيقية التي صنعها بيديه ( كمانجة / ليرة / كيزمار ) ، ولم تكن عيناه تزيغان عن رؤوس القطيع، والحقل، والكسيبة، فأطرب المكان والزمان والبشر والحجر، معلنا تصالح المجتمع المغربي مع ثقافته الشعبية وأنغام موسيقاه الشجية التي تقاسمها الشعب .
هذا الإبداع الطبيعي استقبلته المرأة البدوية بخيمتها، وأخضعته للتحليل "بمختبرها" بين أحضان أبنائها وزوجها، ومررت بواسطته رسائل الحب والود والمعاملة الحسنة والحشمة والوقار، بعد أن مزجتها بكيمياء الشجاعة، و الإيثار والتعاون وفعل الخير بين أفراد الأسرة والعائلة والدوار والقبيلة. إذ شكلت عملية التويزة التضامنية فرصة لنظم وغناء المرددات النسائية، سواء في الحقل، أو البيدر، ووسط الخيمة ، أو بجانب البئر، أو أثناء حياكة منسج الأم بغرفة صناعة منتوج الجلابة والبرنس وأغطية الصوف التقليدية، وكانت كل هذه الأعمال المتعبة تصاحبها مرددات غنائية فردية وجماعية موسومة بإيقاعات مستوحاة من الطبيعة والأصوات الرنانة والألحان العذبة والجميلة.
لقد كانت الأم في الخيمة تقوم بأدوار مؤسسة التنشئة الاجتماعية المتعددة الاختصاصات، وتنشر ثقافة التواصل بالغناء والنظم، وفن القول، فبالموازاة مع أشغال البيت الروتينية ( الطبخ/ العجين/ جلب الماء/ الحشائش/ حلب البقر...)، تعكف على تربية الأطفال وإطعامهم وتسهر على رعايتهم نفسيا وبدنيا، وتعتمد على مواويلها ومردداتها الغنائية لتجزية الوقت نهارا، وطرد وإبعاد شبح الخوف عن فلذات كبدها ومؤانستهم وتسليتهم ليلا، وتشجيعهم على استعمال أدوية الأعشاب المرة، و مقاومة المرض، و كانت تكرس جهدها لتغرس في أذهانهم المواقف النبيلة والقيم الإنسانية، ونفس الشيء تقوم به أثناء أشغال أخرى ترتبط بالمنتوجات الفلاحية والزراعية ، من خلال إبداعها مواويل تنقل عبرها قيم جمالية واجتماعية وأخلاقية .
إذا كان بعض الباحثين يرجحون فرضية اعتماد إيقاع سنابك الخيل في غناء العيطة خلال سفر "الركب" و"لمحلات" و "الترحال"، وإذا كان الصانع والحرفي قد اعتمد على إيقاع مطرقته وسندانه ووسائل عمله في الغناء، فقد اعتمدت الأم / المرددة (الفنانة المبدعة) على آلات موسيقية انتقتها من محيطها الاجتماعي، من داخل "الزريبة"، و" الكشينة"، ومن وسائل العمل المختلفة، فاستأنست بإيقاع قدميها وهي ترقص بجانب " العين و المطفية" فوق غسيل الصوف أو تنظيف أغطية وملابس الأبناء والزوج فوق صخرة الصابون، واستلهمت صوت تحريك"الطبك" يمنة ويسرة وهي تزيل الشوائب وتقوم بتنقية حبوب القمح استعدادا لتخزين مئونة الطحين، وساعدها صوت " الغربال" بين يديها في تلحين قطعها الغنائية، كما ساعدتها دقات "المشط" و "الخلخال" و "المضرب" في نظم أجود المرددات وهي منهمكة في صناعة النسيج، وحسمت إيقاع المرددات تصاعديا على أنغام الكيسان وهي تدق صحن القصدير أو صينية النحاس، في تناغم مع مقص "دزة" الصوف ، بعد احتساء كؤوس الشاي مع نساء الدوار، وتبقى آلة الطعريجة مرتكزا أساسيا في "شد الإيقاع" وتصريف مختلف موازينه.