الأحد 21 إبريل 2019
كتاب الرأي

نوفل البعمري: الجزائر إلى أين؟

نوفل البعمري: الجزائر إلى أين؟ نوفل البعمري

هل يهمنا المستقبل السياسي للجزائر؟

طبعا المغرب يهمه مستقبل الجزائر سياسيا وأمنيا ومؤسساتيا، ليس من باب التدخل في شؤونها، لكن من باب الأخوة الموجودة بين الشعبين ومصيريهما المشترك، ومن باب أي انفجار دموي كالذي عاشته في العشرية السوداء قد يصيب المغرب ببعض تبعاته، إنه جزء من قدر بلدينا، أن يتجاور المغرب مع بلد قيادته السياسية والعسكرية رافضة القيام بأي انتقال سياسي سلمي للسلطة، والاستجابة لمطالب الشعب الجزائري الاجتماعية في تحقيق الرخاء وإعادة توزيع الخيرات عليه بدل إنفاقها على التسليح وعلى نزاعات إقليمية لا علاقة للشعب الجزائري بها، كالنزاع المفتعل حول الصحراء الذي صرفت عليه الجزائر منذ بدايته إلى الآن اكثر من 900 مليار دولار؛ وسياسيا في رغبته الإنهاء مع تحكم العسكر في الحياة السياسية والحزبية من خلال حزب الدولة ”الأفلان”، وقمع كل معارضة سياسية.. فمسيرات اليوم التي انفجرت في الشارع الجزائري يقودها جيل جديد من الشباب مفصول تماما عن مرحلة الثمانينات والتسعينات، الذي خرج في مظاهرات عفوية فاجأت النظام الجزائري، قد أعلنت هذه الجموع ليس عن رفضها فقط للعهدة الخامسة لبوتفليقة لأن الجميع متيقن أن وضعه الصحي لا يسمح له بالتعبير عن موافقته أو رفضه الترشح، بل عن رفض للتوافقات التي سبقت هذا الترشيح من أجل اقتسام السلطة والثروة بين الأجنحة المتصارعة على الحكم، حيث انتهت إلى صيغة بقاء بوتفليقة في الواجهة مع الاستمرار في نفس اللعبة، لعبة اقتسام ”الكعكة” بين المجموعات العسكرية المتحلقة حول الجنرال القايد صالح والمجموعات المختبئة وراء سعيد بوتفليقة..

 

رفض الشارع الجزائري لإعادة تنصيب بوتفليقة رئيسا على الجزائر، هو رفض لهذه التوافقات التي اهتدى إليها الأطراف المتطاحنة على حساب مصالح الشعب الجزائري الذي يعيش حالة تدهور كبير في وضعيته الاجتماعية إلى جانب حالة الاختناق السياسي، الذي دخلت فيه الجزائر، حيث تم تهميش جل الأصوات المعارضة و إلى قمه و منع الباقي منها.

 

مسيرات اليوم التي لم تدع أية حركة أنها وراءها لطابعها العفوي.. هي إعلان عن فشل نموذج الدولة التي بنيت بعد الانقلاب على بن بلة، مؤسسها بومدين الذي بنى الدولة على عقيدتين الأولى الولاء له وللعسكر من بعده الثانية وجود عدو خارجي هو المغرب.. الجزائريون اليوم انتفضوا على هذا النموذج وأعلنوا عن فشله ونهايته، لأنه لم يحقق لهم أي رخاء اجتماعي أو اقتصادي له، ولم يستطع بناء دولة جزائرية قوية، بل كل ما انتهت اليه في النهاية هي دولة منخورة داخليا متهالكة، آيلة للسقوط في حال عدم الاستجابة لمطالب الشعب الجزائري الراغب في الانعتاق والتحرر والاستفادة من الخيرات الكبيرة التي يتوفر عليها، ولم تحقق  سوى الاغتناء للفئة المتحكمة في القرار السياسي، ولم يستفد منها سوى العسكر المسيطر والمتحكم في مداخيل أغلب شركات الغاز والنفط والعقار والشركات الكبرى المتواجدة في الجزائر، مثلها مثل فنزويلا وجل البلدان الشمولية.

 

الوضع في الجزائر مقلق ومحرج، ونحن نتابع ما يحدث هناك والتهديدات التي أطلقها قيادة الأفلان في ”حفل تقديم ترشيح” بوتفليقة بالعشرية السوداء التي عاشها الجزائر، لن نكون سعداء أمام أي انهيار للدولة الجزائرية، ولا مهللين بأي انفجار اجتماعي وسياسي رغم ما تسبب فيه هذا النظام من آلام للمغرب عند أخلاقه ورعايته للمشروع الانفصال على الأراضي الجزائرية، وللمغاربة، خاصة منهم من قام بطردهم من الجزائر ذات صباح بارد دون سابق إنذار.. طبعا لن نكون سعداء بأي اصطدام في الجارة، لأنه في نهاية المطاف من سيدفع الثمن هو الشعب الجزائري، وحده من سيكون ضحيته، مع ما يحمل ذلك من تهديدات للمنطقة، خاصة ونحن لدينا سابقة في ليبيا القذافي الذي استعمل مليشيات البوليساربو ضد الشعب الليبي وساهموا في تقتيله.. بالمقابل ما نطمح إليه هو أن تتحرر الجزائر وتعيش خطوة جريئة نحو انتقال سياسي وسلمي، ديموقراطي على السلطة يعيد الأمل الجزائريين ويقضي على أية محاولة لإدخاله في الفوضى، ويؤدي إلى بناء جزائر قوية بالديموقراطية، حيث يعود العسكر والجنرالات للثكنات، ويودعون الحياة السياسية، وتتحرر المؤسسات الجزائرية من قبضتهم القوية.

 

على أنه يمكن الجزم في النهاية أن أي تغيير وانتقال ديموقراطي في الجزائر سينعكس بالإيجاب على الوضع في المنطقة، خاصة على مستوى بناء الاتحاد المغاربي، لأن أي نظام ديموقراطي سيكون واع أن أي تقدم لن يتحقق إلا بالكامل الاقتصادي، وسيكون مقدمة لإنهاء نزاع الصحراء، لأن أي نظام وطني سيعي ألا معنى في الاستمرار بحشر الأنف في نزاع يعطل التنمية في الجزائر أو صرف أموال الشعب الجزائري على نزاع مفتعل كل مؤشرات الأممية تؤكد عن قرب جسمه لصالح المغرب.