الثلاثاء 23 إبريل 2019
كتاب الرأي

زهور: هل تراجعات السيد حامي الدين أملتها الظرفية أم المراجعة؟

زهور: هل تراجعات السيد حامي الدين أملتها الظرفية أم المراجعة؟ الحسن زهور
الإشارات السياسية التي عرفها اللقاء الذي نظم مؤخرا بمقر حزب التقدم و الاشتراكية والتي أطلقها القيادي السيد حامي الدين يجب التقاطها و قراءتها سياسيا.
اللقاء نظم بمقر هذا الحزب بالرباط لمناقشة و تقديم كتاب " آراء و مواقف و تحليلات دستورية" لصاحبه أمين السعيد. عرف اللقاء موقفين متناقضين في المرجعية و في الأهداف، موقف يمثله اليساري السيد الساسي القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، و الثاني يمثله السيد حامي الدين القيادي في حزب العدالة و التنمية.
الإختلاف بين القياديين و بين المرجعيتين هو اختلاف إيديولوجي و سياسي ظرفي، يكمن الاختلاف بين المرجعيتين حول قرار إعفاء السيد بنكيران، حيث اعتبر السيد الساسي إعفاء الزعيم بنكيران بأنه " غير دستوري". لن نناقش السيد الساسي حول دستورية او عدم دستورية الإعفاء، لأن السيد الساسي ينطلق من إيديولوجيته السياسية و الحزبية في القراءة السياسية للإعفاء باعتباره في المعارضة، والموقف السياسي من موقع المعارضة ليس هو نفسه من موقع الحكم و الحكومة.
ما يهمنا هنا هو رد السيد حامي الدين على ما اعتبره السيد الساسي بـ"لادستورية" القرار، قال السيد حامي الدين بأن: " قرار الإعفاء و التعيين قرار واحد بوجهين" بمعنى: " لسنا أمام قرار إعفاء، و إنما أمام قرار تعيين يستتبع ضمنيا قرار الإعفاء"، لذلك يعتبر السيد حامي الدين قرار إعفاء السيد بنكيران قرارا دستوريا: " فبما أن التعيين دستوري فان الإعفاء أيضا دستوري"( جريدة أخبار اليوم ليومي 23 و 24 فبراير 2019).
ما يهمنا هنا هو هذا الانقلاب المفاجئ في موقف السيد حامي الدين حول قرار الإعفاء و هو الذي ملأ الدنيا انتقادا و نقدا معتبرا آنذاك إعفاء زعيمه السيد بنكيران انقلابا على الدستور و " مؤامرة ضد الشعب و السياسة"، و ذهب به الحماس الإيديولوجي آنذاك غالى كشف المخفي في الإستراتيجية الإيديولوجية بانتقاده للشكل الحالي للملكية في المغرب.
هذا التغيير المفاجئ في موقف السيد حامي الدين هو ما يهمنا و تهمنا قراءته بربطه بما يمور في الساحة السياسية حاليا:
- أولا: هل بدأ السيد حامي الدين بالابتعاد ظاهريا عن زعيمه بنكيران؟
فالضربات الموجعة التي تلقاها السيد بن كيران بعد أن تم الكشف عن مبلغ التقاعد الذي بدأ يتقاضاه وهو مبلغ كبير و كبير جدا في الوضع الإقتصادي الحالي الذي يعرفه البلد، و هو الذي بنى خطاباته الشعبوية على محاربة الريع و الفساد و التماسيح، هذه الضربات أضعفت الزعيم سياسيا و شعبويا، قرأها السيد حامي الدين سياسيا ليمده يده بردا و سلاما للجهة الأخرى متخليا عن موقفه السابق المرتبط بالمعارضة الشديدة لقرار الإعفاء.
- ثانيا: تراجع السيد حامي الدين هذا هو تراجع للتيار الشعبوي على مستوى القيادة في الحزب و المعتمد على الخطاب الحماسي و التهييحي الذي انتهجه بنكيران و وفق فيه انتخابيا، تراجع يأتي بعد تراجع الأسهم السياسية للبرلمانية و القيادية الموالية لتيار بنكيران و المشهورة بدورها بهذا الخطاب الشعبوي، تراجعت أسهمها اثر الحملة التي وجهت لها حين قامت بما أملته لها حريتها الشخصية في باريس و هي حرية تتناقض مع الأغلال الإيديولوجية لحزبها. و الغريب في موقف حزبها هو انقلاب المواقف داخل الحزب، فبدلا من أن يتفهم التيار المعتدل، و الذي يتزعمه السيد العثماني ووزراءه ، بأن ما قامت به النائبة يدخل في إطار حريتها الشخصية و بالتالي الدفاع عنها، نجد هذا التيار هو من يحاكم النائبة في ما يتعلق بحريتها الشخصية هذه في حين نرى أن التيار المتشدد و الشعبوي ممثلا في بن كيران هو من برر ما قامت به بربطه بالحرية الشخصية للنائبة، مما يبين ان ايديولوجية الحزب لم تتغير لكن المتغير فيها هو تبادل الأدوار.
- ثالثا: تراجع السيد حامي الدين عن موقفه من قرار الإعفاء هو رسالة سياسية ضمنية الى جهات ما في الدولة لطي ملف قضية مقتل أيت الجيد الذي اتهم فيها السيد حامي الدين بالمشاركة في القتل، رسالة تحمل تنازلات ستكشف عنها الأيام المقبلة خصوصا بعد اتهام الأحزاب الأخرى للحزب بالتهجم على القضاء ومحاولة توجيهه والتدخل في صلاحياته.
السؤال هو :هل سترقى هذه التراجعات في المواقف السياسية إلى مراجعات ايديولوجية كما فعل حزب النهضة التونسي؟ من بين هذه التراجعات مثلا تلك التي أيد فيها الحزب الإسلامي التونسي التعديلات القانونية في الإرث التي صادقت عليه الحكومة التونسية و التي يعتبر حزب النهضة الإسلامي احد أعمدة هذه الحكومة، وهي التعديلات التي استنكرها اسلاميو المغرب و التيار الوهابي و الاخواني.
أن يسلك اسلاميو المغرب سبيل الرشد في تراجعاتهم، لكن مواقف الحزب في قضية الأمازيغية و في قضية الأسرة وفي الحرية الشخصية( مثال: محاكمة النائبة ماء العينين) و في التعليم كلها بعيدة عن متمنياتنا.
ذ. الحسن زهور، كاتب وباحث