الاثنين 25 مارس 2019
مجتمع

أمر قضائي جديد يحدد غرامة شخصية ضد مسؤول في السلطة لامتناعه عن تنفيذ حكم في المغرب

أمر قضائي جديد يحدد غرامة شخصية ضد مسؤول في السلطة لامتناعه عن تنفيذ حكم في المغرب
يواصل رئيس المحكمة الإدارية  بالرباط المستشار مصطفى سيمو إصدار الأوامر القضائية التي تنتصر للمتقاضين الحائزين على أحكام قابلة للتنفيذ ضد الإدارة التي يمتنع بعض مسؤوليها عن تنفيذ الأحكام القضائية. آخر هذه الأوامر صدر مؤخرا وقد قضى في منطوقه "بتحديد غرامة تهديدية في مواجهة قائد قيادة المنزه في مبلغ 2000,00 درهم ... تحتسب ابتداء من تاريخ تبليغه بهذا الأمر ".
ويعد هذا الاجتهاد القضائي من الاجتهادات التي دأبت المحكمة الإدارية بالرباط في شخص رئيسها السير على منوالها ضمانا وإجبارا للتنفيذ ضد الإدارة الممتنعة بحيث يتم إعمال الغرامة التهديدية اليومية في حق المسؤول الإداري شخصيا عوض المرفق الإداري.
 
وقائع الأمر القضائي
تتعلق وقائع الأمر القضائي الذي نحن بصدده بطلب تقدم به مدعي، أمام رئيس المحكمة الإدارية بالرباط  باعتباره القاضي المكلف بالتنفيذ، جاء فيه أنه سبق أن حصل على حكم قضائي ابتدائي إداري تحت عدد 4431 بتاريخ 15/11/2016 قضى بإلغاء القرار المطعون فيه والمتعلق بامتناع الإدارة عن إعطاء شهادة إدارية تخص عقارا يعود له مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك والذي أصبح نهائيا بعد تأييده استئنافيا بالقرار رقم 5623 الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 19/12/2017، وأنه وبعد استيفائه لإجراءات تنفيذ الحكم المذكور بواسطة المفوض القضائي، فإن ممثل السلطة المحلية قائد قيادة المنزه امتنع عن تنفيذ الحكم المذكور وتم تحرير محضر امتناع في مواجهته. ولهذا يلتمس من رئيس المحكمة الإدارية الأمر بتحديد غرامة قدرها 10.000,00 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ ابتداء من تاريخ الامتناع الذي هو 10/7/2018 إلى حين تنفيذ الحكم المشار إليه قبله وشمول الحكم بالنفاذ المعجل رغم كل طعن.
 
التعليلات التي اعتمدها الأمر القضائي...
اعتمد رئيس المحكمة الإدارية بالرباط على عدة أسس وتعليلات نجملها فيما يلي:
* بدأ رئيس المحكمة بالتطرق لاختصاصه باعتباره الجهة المشرفة على التنفيذ، وإطاره القانوني وهو "الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية المحال إليه بموجب المادة 7 من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية، ما دام أن مناط تحديدها هو عدم إمكانية اللجوء إلى قواعد التنفيذ الجبري في مواجهة الممتنع عن التنفيذ، وشرط أن تكون هذه الأحكام متعلقة بتنفيذ التزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل".
* إن نص الفصل 484 من قانون المسطرة المدنية نص على عبارة "المنفذ عليه" وليس "المحكوم عليه"، وهي عبارة يتجاوز معناها شخص هذا الأخير لتتسع لكل من يقوم مقامه في التنفيذ، ويندرج ضمن هذا المفهوم بالطبع، ممثل الشخص المعنوي العام المحكوم عليه، شرط أن يكون امتناعه عن التنفيذ غير مبرر حسبما يستشف من عبارة "إذا رفض المنفذ عليه" التي وردت في هذا المقتضى القانوني"، وبالتالي أعطى الامر القضائي تفسيرا واسعا لعبارة المنفذ عليه لتشمل المسؤول الإداري عوض المحكوم عليه الذي هو المرفق الإداري فقط.
* استند الأمر القضائي في التوسع في التفسير أعلاه، على الدستور المغربي لسنة 2011 وقوانين أخرى غير قانون المرافعات التقليدي ومنها قانون مؤسسة وسيط المملكة، كما يلي: "فإن ما أضحى يزكي هذا التفسير هو اتجاه المشرع بوضوح من خلال ظهير 17 مارس 2011 بشأن إحداث مؤسسة وسيط المملكة، نحو شخصنة امتناع الإدارة غير المبرر عبر مسؤوليها عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها، حيث نص في الفصل 32 منه على عدة إجراءات وجزاءات يتعين أن يتخذها وسيط المملكة في حق المسؤول أو الموظف الممتنع عن التنفيذ بدون مبــــــرر، بدءا بإخبار الوزير المعني بذلك ومرورا برفع تقرير إلى رئيس الحكومة أو إصدار توصية بمتابعته تأديبيا، وانتهاء بالدفــــــع إلى متابعة المسؤول أو الموظف المذكور جنائيا عند الاقتضــاء، كما أن موقــــف المشرع الدستوري جاء حاسما بشكل نهائي وواضح عندما أقر هذا التوجه بمقتضى الفصل 126 من دستور المملكة الذي نص على أن الأحكام القضائية النهائية تعتبر ملزمة للجميع".
* كما اعتمد الأمر القضائي أخيرا على استشراف مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية المغربي (قانون المرافعات المدنية) الذي هو طور النقاش ولم يخرج بعد إلى حيز الوجود، بحيث تنص إحدى مواده  وهي المادة 587 على "إمكانية إصدار قاضي التنفيذ لغرامة تهديدية في مواجهة شخص القانون العام المنفذ عليه أو المسؤول عن التنفيذ أو هما معا".
وتجدر الإشارة في الأخير، إلى أن مشكلة تنفيذ الأحكام القضائية ضد الإدارة في المغرب لا زال مطروحا بكثرة مما يؤثر على الثقة في المؤسسة القضائية والإدارة على حد سواء. ومما يؤكد على هذه الإشكالية ما سبق للملك محمد السادس أن أشار في أحد خطبه أمام البرلمان من أنه "من غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟" ولذلك يقوم القضاء الإداري، وفي ظل عدم كفاية النصوص القانونية أو عدم مسايرتها للمستجدات الحقوقية بسبب قدمها بمثل هذه الاجتهادات أحيانا.