الاثنين 25 مارس 2019
كتاب الرأي

عبدالرحمان العمراني: حمى المال المهيمنة..ما الذي حصل؟

عبدالرحمان العمراني: حمى المال المهيمنة..ما الذي حصل؟ عبدالرحمان العمراني
قضية قبول السيد بنكيران لذلك التقاعد الضخم يتوجب أن نقرأها قصد تفسير دلالاتها على ضوء ما أصاب البلاد والعباد والمجتمع من جري وهرولة محمومة نحو المال لم يعرفها المغاربة من قبل وإلى عهود قريبة .
على هذا المستوى، في الطبقة السياسية، لا فرق بين الإسلامي واليميني واليساري والوسطي، والذي لا انتماء معروف له.
أصابت المتدين وقليل التدين والمتظاهر بالتدين سواء بسوأء.
وفي عالم السلطة على اختلاف هرمها ودرجاتها أصابت هذه الحمى كل الأوساط، وصارت قاعدة تفكير وسلوك ومجالا لتقييم الـ performance ومدى النجاح أو شكل وقيمة الحصيلة .
وفي الطبقات الاجتماعية، أصابت حمى الجري وراء المال وتكريسه كقيمة القيم -أصابت ويا للعياذ بالله كل الأوساط والفئات، من البنكي الكبير المتبجح إلى أستاذ الرياضيات اللاهث وراء الدخل المريح للساعات الإضافية، ومن البرجوازي العقاري إلى صاحب السناك الصغير في الحي، ومن موظف الجمارك البسيط إلى صاحب الفرن التقليدي. المال هو الأفق، هو المبتدأ وهو الخبر .
المفارقة أن الفقراء والمعدمين هم أقل فئات المجتمع افتتانا بالمال اليوم. عدا ما يأملونه لتلبية حاجياتهم القاعدية، وهي شيء مفهوم ومشروع.
تدخل أي مقهى من مقاهينا لا حديث إلا عن المال والثروات والرواج والكسب والدرهم. وحتى حينما تتغير مواضيع المناقشة فإنها تبقى ضمن دائرة المال وتوابعه تعود إليه بسرعة. ولست أخفي أنني أصاب بالدوار والسأم والغثيان أحيانا وأنا اسمع على مدار ساعة أو أكثر أشخاصا بجانبي لا حديث يجمعهم إلا والمال مركزه و محوره.
ولا اخفي أيضا أنني والحالة هاته فقدت الثقة في مظاهر التدين التي صرت أكثر وعيا بطابعها المغشوش -حتى قبل ظهور قضية بنكيران- أقصد منظر أولئك المتأبطين لسجادات في خشوع ظاهري متجهين لبيوت الله، عارفا أنهم هم نفس الأشخاص الذين ملأ الحديث عن المال وتوابعه مجامعهم قبل التوجه للمسجد.
خلال الأسبوع المنصرم وفي مقام قصير بمدريد كنت خلال جلسات المقهى أسمع أحاديث كثيرة من الجالسين من حولي عن قضايا الساعة السياسية والثقافية والاجتماعية، المحلية والقومية والدولية، ولم يكن الحديث عن المال فيما كنت أسمع هو الهاجس المسيطر ولا فرس المناقشة الوحيد.
ما الذي أصابنا ؟لماذا سادت قيم المال إلى هذا الحد ؟لماذا أصبحت قيمة القيم ؟ وقبل محاولة الإجابة أود التذكير بأننا لم نكن لا في الطبقة السياسية التي تحترم نفسها وعلى صعيد المجتمع At large إجمالا - لم نكن على هذه اللهطة التي استبدت بالمجتمع وبالجميع اليوم.
وشواهدي على ذلك:
كان الناس يجتمعون على كؤوس شاي ومسلسلات بالأبيض والأسود تعقبها مناقشات في كل القضايا بعيدا عن هوس المال. أذكر هذا تماما كما أذكر أحداث الأسبوع الماضي .
وفي سلوك الطبقة السياسية أذكر شهادة العلامة عبد الحي العمراني بسينما أمبير بفاس في الذكرى التأبينية الأولى لرحيل عبد الرحيم بوعبيد كشاهد على ما أقول، قال:" كنت أزور الرجل في بيته وهو مسؤول على قطاع المالية بداية الاستقلال فأرى نفس الرجل المتواضع الذي عرفته، في سكنه وأكله وكل ضروب عيشه".ثم أضاف:" مما لازال عالقا بذاكرتي وسمعي-هذا الرجل المتواضع كانت خزائن المغرب بين يديه. !!!" يقصد إنه كان وزيرا للمالية .
لم نكن كمغاربة عاديين وطبقة سياسية "ملهوطين على المال " بالصورة الموجودة حاليا، وكان الحديث عن المال في المجتمع حديث ضمن أحاديث وليس الحديث المهيمن المسيطر الكاسح.
ونعود إلى السؤال الإشكالي، ماذا حصل وكيف نفسر الأمر وما دلالات الظاهرة ولماذا انتصرت قيم المال triomphe des valeurs de l argent كما كان يقول الصديق المرحوم عبد الاله النور .؟؟؟
وجوابي المؤقت - لأن المسألة جديرة بأبحاث جامعية تفسر بالعمق ما جرى- جوابي أن هذا الجري المحموم وراء المال الذي استبد بالجميع دليل على شيء خطير يحصل : انه فقدان الثقة في المشروع المشترك.
رغم استمرار الحديث عنه صباح مساء في دوائر السلطة والأحزاب.
وبدون ربط الناس بمشروع مشترك لا يختزل في البطاقة الوطنية المشتركة، سيبقى الحديث عن النموذج التنموي الجديد أضغاث أحلام وكلاما ايديولوجيا فارغ المحتوى.