الخميس 20 يونيو 2019
سياسة

في شأن العلاقة بين الأصولية السياسية الدينية والمخزنية واليسار (2)

في شأن العلاقة بين الأصولية السياسية الدينية والمخزنية واليسار (2) د. عبد الوهاب تدمري
 
يجيب الناشط السياسي د. عبد الوهاب تدمري، في هذا المقال التحليلي الذي ننشره في جريدة "أنفاس بريس"في حلقات، عن رهانات الصراع والسجال الدائر في الحلبة السياسية بين قوى الإسلام السياسي والعائلة اليسارية، والذي يعرف مدا وجزرا، وتحالفات وتقسيمات سياسية هجينة، تحركها من وراء الستار الدولة المخزنية العميقة التي من مصلحتها أن تتواصل هذه الحرب بين التيار الأصولي والتيار اليساري لإطالة تحكمه في مفاصل الدولة والمجتمع.
 
2- في تحليل نقاط التماس
 أ/ في شأن التحالف اليساري الإسلامي
هل تواترت الشروط فعلا لقيام تحالف يساري إسلامي ضاغط من اجل انجاز مهام الانتقال إلى الديمقراطية؟ وهل هناك فعلا ما يؤسس لهذا التحالف علاقة بالأهداف المحددة أعلاه؟
إنني أعتبر هذه المسألة من الإشكاليات التي لم تحظ بالاهتمام المطلوب من طرف اليساريين والإسلاميين المغاربة، ليس على المستوى الإجرائي والعملي بل على مستوى التأصيل النظري، الفكري والسياسي. كما يجب ان نسجل أننا لا نتوفر فيها كذلك على تراكمات علمية ومعرفية، خاصة وأن هذا المسالة أصبحت واقعا يفرض نفسه بإلحاح أمام تعاظم نفوذ قوى الإسلام السياسي التي أضحت تشكل عنصرا مهما في مشهدنا الحزبي، ولاعبا أساسيا في أي معادلة سياسية. رغم أن هذه المسألة ليست بالجديدة على اليساريين خاصة المشارقة منهم، بحكم الحضور المتميز للكنيسة المشرقية في البنية الاجتماعية للشعوب الشرق أوسطية، وبحكم تأثر بعض رجال الدين المسيحيين، خاصة في فلسطين المحتلة، وعلى رأسهم رجل الدين المقدسي نعيم عتيق بأطروحات لاهوت التحرير اللاتيني، وتواجد الكثير من اليساريين المنحدرين من المنظومة الثقافية المسيحية في التشكيلات اليسارية الشرقية، الذين واكبوا النقاشات التي كانت تحبل بها الحركة السياسية والاجتماعية لشعوب أمريكا اللاتينية علاقة بلاهوت التحرير، ووقوف هذا الأخير موقف الانحياز الى جانب شعوبها المضطهدة من طرف أنظمة الحكم الاستبدادية، وهو ما جعله يتموقع إلى جانب قوى اليسار اللاتيني التي كانت تكافح من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية .
لكن ما يجب إدراكه هو أن هذا التموقع لم يكن إرادويا، ولم تمله رغبات ذاتية، بل أملته ظروف موضوعية مرتبطة بطبيعة الديانة المسيحية نفسها، التي لم ترتبط في نشأتها بقيام الدولة كشأن زمني إلا مع بداية القرن الرابع الميلادي مع الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم الذي اعتنق الديانة المسيحية، وليس كما هو الشأن مع الدين الإسلامي الذي ارتبط منذ النشأة بمعارك نشر الدعوة وبدولة الخلافة كشأن سياسي. كما أن الديانة المسيحية لا تحمل في كتابها المقدس ما يشير الى الجهاد كمفهوم يراد به تطويع كل من يعتقد بأنه خارج عن طاعة الله ورسوله بل هو جهاد النفس ضد الخطيئة من أجل إرضاء الله الذي يمر عبر بوابة الفقراء…. وهو ما ساعد رجال الدين المسيحيين في تأصيل اجتهاداتهم التي أحدثت قطيعة مع مفهوم مسيحية الدولة الذي ساد لقرون من الزمن، هيمنت من خلاله الكنيسة على الشأن السياسي أو العكس، بكل ما نتجت عنه من فظاعات في حق شعوبهم وذلك منذ أكثر من 500 سنة عندما أعلن مارتن لوثر ثورته الدينية بألمانيا، التي عمل من خلالها على فصل الدين عن الدولة.
كما أن اللاهوت المسيحي اللاتيني الذي انطلق مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي، هو من انحاز لمطالب المجتمع وبالتالي لليسار في تلاق موضوعي معه وليس العكس، وذلك من خلال تبنيهم للتحليلات الاجتماعية والاقتصادية الماركسية التي تركز على إيلاء الاهتمام بالأوضاع الاجتماعية للفقراء والتركيز على التحرر السياسي للشعوب المضطهدة، وذلك في إطار ما أطلق عليه من طرف لاهوتي أميركا اللاتينية في السبعينات من القرن الماضي بالخيار التفضيلي للفقراء، الذين اعتبرهم جون سوبرينو "طريق متميز لنعمة الله". أو المهمة المتكاملة التي تجمع بين التبشير والمهمة الاجتماعية، ودون ان نغفل أن هذا الانحياز الذي عبر عنه لاهوت التحرير اللاتيني  كان من خلال توجه فكري شمل رجال الدين المسيحيين باعتبارهم ذواتا فردية ، وليس كتجمعات أو كأحزاب سياسية تطرح نفسها كمشاريع سياسية مجتمعية بديلة لتدبير الشأن الديني والدنيوي، كما هو شأن حركات الاسلام السياسي الاخوانية الوهابية وفقهائها الذين يجمعون بين الدين والسياسة، بين الزعامة الروحية والزعامة الدنيوية ،ويقسمون الانسانية بين دار الإسلام ودار الكفر، التي عليهم واجب قتالها ، وليس قتلها، حتى وان لم تتوفر شروط الاقتتال كما ورد في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي ربطت القتال برد الاعتداء وليس العكس، وذلك إعمالا لمفهومهم لمعنى الحكم بشرع الله، وما أنزله من بيان، الذي ورد في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة، وهو حسب اعتقادهم ما يخول لهم مواجهة باقي التشريعات والقوانين الوضعية التي تدرج في مرتبة الكفر والجاهلية والإلحاد التي تستدعي الجهاد ضدها من أجل إعلاء راية الإسلام.. إنهم بذلك يدعون حسب اعتقادهم إلى الاقتداء بمنهج النبوة والسلف الصالح، الذين ربطوا الدعوة الاسلامية بقيام دولة الخلافة، وحملوا الدعوة على نصل السيف والإكراه، حتى وإن كانت باسم الفتوحات الاسلامية، وذلك في تناقض صريح مع مضمون ما ورد في كل من سورة الكهف، وسورة البقرة، التي تنص على أن لا إكراه في الدين، أو تلك التي خيرت الإنسان بين الإيمان والهداية أو الكفر. ولم يأخذوا الموعظة من رجل عظيم بسلوكه وإيمانه العميق بحرية الرأي والمعتقد، الذي اعتبره فولتير زمانه، أبو طالب، عندما قدم كل ما لديه وضحي بتجارته ومكانته بين أعيان قريش من أجل الدفاع عن الإسلام كدين جديد في إطار إيمانه بحرية الرأي والعقيدة، وليس فقط دفاعا عن ابن أخيه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام كما يريد البعض أن يعرفه، وهو ما حدا بالنبي "ص" أن يستغفر له عندما كان على فراش الموت فطلب منه الشهادة حتى يجد ما يستغفر به الله من أجله. حتى أن رفضه النطق بالشهادة وتلبية رغبة ابن أخيه الذي هو النبي محمد "ص" كان سببا في نزول الآية الكريمة " نك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" سورة القصص. أو لاحقا في الآية الكريمة "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى" سورة التوبة. وإلا لما كان كذلك موقف عمه الاخر أبو لهب معاديا ومحاربا له، رغم كونه الأخ غير الشقيق لوالده، ويقال عنه إنه فرح فرحا شديدا عند ولادته، مما حدا به لأن يعتق احدى جواريه احتفالا بهذه المناسبة، وهو ما يدل على أن موقف أبي طالب كان أعمق من أن ينسب لقرابة الدم فقط.