الأربعاء 24 إبريل 2019
سياسة

السلماني: من أجل الحقيقة..... بنعيسى يُطلُ من بعيد

السلماني: من أجل الحقيقة..... بنعيسى يُطلُ من بعيد الدكتور عبد الغني السلماني يتوسط حامي الدين (يمينا) وأيت الجيد
تذكير بالسياق:
يوم الثلاثاء 12 فبراير 2019، يعتبر ثاني جلسة عمومية للنظر في ملف اغتيال الشهيد بنعيسى محمد آيت الجيد باعتباره عضوا للجنة الجامعة الإنتقالية "لأوطم"، حيث يتابع المتهم عبد العالي حامي الدين بجريمة القتل العمد، وذلك بعد ظهور معطيات جديدة في الملف. إن قرار المتابعة جاء بعد استقلال النيابة العامة التي كانت تحت سلطة وزارة العدل والحريات في عهد الوزير السابق مصطفى الرميد الذي أوقف كل الشكايات التي كانت تتقدم بها العائلة، مما يعتبر في نظر الحزب القائد للحكومة أن الدعوى محفوظة ولا يمكن للشخص أن يحاكم في ملف واحد مرتين وهذه زلة قانونية لا يستوعبها أنصار المتهم في جريمة القتل العمد.
كما تأتي هذه المتابعة في سياق استمرار التشنج والضغط الذي يمارسه الحزب الأغلبي على القضاة والدولة أيضا، من خلال خرجات أمينه العام السابق وبعض الوزراء المحسبين على الحزب، من خلال تشكيكهم وتسييسهم لهذا الملف رغم أن هاجس عائلة الشهيد ورفاقه ومجايليه هو معرفة الحقيقة وكل الحقيقة. لذلك هذه المرة لا ينفع الإنزال ولا السيارات الفارهة ولا الحضور الوازن للحاكمين المنتمين للحزب الأغلبي في التأثير على استقلالية السلطة القضائية، والذي يهدف إلى بعث رسائل هنا وهناك لا بد من التذكير أن تاريخ التيارات الإسلامية في بلادنا، هو تاريخ عنف وخاصة داخل الجامعة المغربية، و لابد من التذكير أيضا كيف كانت تُوظف هذه التيارات لضرب اليسار. يجب إحقاق الحقيقة الكاملة في هذا الملف وفي كل الملفات التي كان فيها إزهاق أرواح النشطاء والمناضلين على يد قوى الإسلام السياسي في المغرب الحديث والمعاصر.
إعادة فتح ملف بنعيسى يأتي أيضا بعد مطالبة العائلة بمعرفة واقعة اغتيال ابنها، وبعد صمود رفاقة ومحبيه والفصيل الذي انتمى إليه، في تخليد ذكراه كل سنة وكل بطريقته، وفي وجود مؤسسة تدافع عن الحياة وتناهض العنف والكراهية، إنها إرادة الإرادات في معرفة الحقيقة وكل الحقيقة، وهذه المرة باستثمار الجهد و الرفع من مستوى النقاش القانوني والسياسي الرصين والابتعاد عن خفة رجل السياسة التي تطمح إلى طمس كل الحقيقة ومنع النقاش من قبل المتخصصين قصد تنوير الناس والمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا قانونية بشكل أكاديمي والاقتصار في النقاش على الجانب الإجرائي الصرف ودون المساس بقرينة البراءة للمتهم.
أما الإخوة المتحكمين والمنتمين للحزب الأغلبي القائد للحكومة وجماعته الدينية وكتائبه الإلكترونية، فإنهم يؤمنون بالدولة من أجل التموقع والإستفادة ، لكنهم يكفرون بمؤسساتها. وفي كل لحظة وحين، يبخسون المجهودات حين يكوني "مستهدفين" برفع صوت التقية والطهرانية التي يدركون جيدا، أنها تمزقت على أجسادهم… وشعاراتهم في السياسة والدين والجنس.
سيحل يوم 12فبراير 2019 من أجل معرفة الحقيقة والمحاكمة العادلة لكن سيرتفع صوت التشكيك ونصرة الأخ ظالما أو مظلوما، وكلنا أمل من أجل أن تنجلي الحقيقة الغائبة. كلما ظهرت مستجدات في الملف إلى ارتفعت آلة التضليل من أجل تسييس الملف. وخاصة أن آلة الحزب "الأغلبي" الذي يترأس الحكومة المغربية تعمل بكل الطرق من أجل رفض متابعة أحد قيادته عبر وقفات وتصريحات وتحركات تعمل بكل قوة للتأثير على القضاء والتشكيك فيه، مما يُعتبر تدخلا سافرا في شؤون القضاء ومحاولة للتأثير عليه سياسيا، ووقوفا سافرا ضد من يناضل من أجل استقلاليته ونزاهته. و هو ما يُرسخ قناعة المؤمنين بحقوق الإنسان أن اغتيال آيت الجيد محمد بنعيسى هو جريمة سياسية وهناك جهات تعمل على طمس حقيقتها.
الشهيد كان حدثا مؤلم، مؤلم لأنه يكشف كل لحظة، الوحش الكامن في أحشاء الحركات الإسلامية التي دبرت الجريمة. هناك روح بنعيسى تطل علينا من بعيد، هناك روح البطل التي أزهقتها آلة الإرهاب بدم بارد وسط النهار. يجب علينا جميعا، أن نناضل كي ينال القتلة عقابهم. حتى لا يعفى مُتهم من المساءلة… وأن يظل الشهيد في قبره مرتاحا ينظر إلينا من بعيد، وأننا على نهجه نسير.
أمل روح الشهيد:
نريد للذكرى أن تكون محطة استنهاض الفكر الذي استشهد من أجله بنعيسى، فكر الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية ،فكر التنوير الذي يجابه "الفكر " النكوصي المثقل بالتقاليد والفهم الجامد للنصوص المقدسة، القاتل وبقية القتلة سينالون القصاص، لكن ما قيمة القصاص إذا كان الفكر الذي اغتال آيت الجيد والمعطي وعمر وفرج فوذة ومهدي عامل .... لايزال موجودا ويتقوى برعاية رسمية من المحيط إلى الخليج وبتفاوت هنا وهناك. فبحلول الذكرى لهذه السنة لابد من فتح نقاش وتدوين اللحظة التاريخية وفضح الجريمة، والمطالبة بالحقيقة كاملة ؟
إنها معركة من أجل الحقيقة كل الحقيقة، وهي مهمة لا تعنينا وحدنا نحن أصدقاء ورفاق ومجايلي بنعيسى، بل هي من صميم مهام ومسؤولية كل القوى الحية والتقدمية التي تؤمن بالحرية والإختلاف والحق المقدس في الحياة.
العنف القاتل:
العنف السياسي كارثة على الدّولة والمجتمع، إذ حين يصبح القتل وجهة نظر يتستر عليها السياسي والفاعل المجتمعي، حين يتواطأ الكل من حيث يدري أو لا يدري وفتح المجال لاستعادة آلة الحرب كقوة حيويّة تمنح فرصة للتغول والتوحش إنه السياق الذي تمّ فيه اغتيال المناضل شكري بلعيد في تونس ما بعد الثورة. اغتيال شخص ما على الهوية أو على العقيدة أو على الانتماء... إنّما يعني تعليق سلطة الدولة وتنصيب سلطة فوق الدولة، سلطة تتعالى على كل أنظمة التشريع القائمة على التعاقد والتدافع والإرتماء في ثقافة الغيب والسخرية من المدنية.
الدكتور عبد الغني السلماني، الكاتب والناقد