الأحد 15 سبتمبر 2019
مجتمع

أيلال: دور القرآن ماكينة لصنع خطاب الكراهية ونسف التدين المغربي

أيلال: دور القرآن ماكينة لصنع خطاب الكراهية ونسف التدين المغربي رشيد أيلال

رشيد أيلال صاحب مؤلف " صحيح البخاري.. نهاية أسطورة " كاتب و باحث في نقد التراث الديني وعلم مقارنة الأديان، له أيضا عدة مقالات في هذا المجال منشورة في العديد من المجلات والمواقع الالكترونية، كما له سلسلة محاضرات بعنوان "انتحار الفقيه" على الانترنيت، استضافته " أنفاس بريس" و أجرت معه هذا الحوار التالي، حول موضوع دور القرآن، أعراضها ونتائجها السلبية على المجتمع...

تجاوزا للخطاب الديني في مفكرات المواطنين المتباينة، حول جدوى دور القرآن من عدمها، هذه الأخيرة التي لم يتم إغلاقها من طرف السلطات إلا في سنة 2008 ، بعد أن كان متوقعا أن تغلقها سنة 2003، أي بعد احداث16ماي، أولا كيف تعلقون على ذلك، باعتباركم متتبعا وباحثا في هذا الشأن؟

تأسيس ما أطلق عليه في سبعينيات القرن الماضي "دور القرآن" في المغرب، برعاية من السعودية آنذاك، شكل منعرجا خطيرا في تاريخ المغرب، حيث غدا مشتلا لغرس مبادئ الفكر السلفي الوهابي، الغريب عن المجتمع المغربي، فقد شكل هذا الفكر السلفي القادم إلينا من الخليج، محاولة للقطع مع الإسلام المغربي المعتدل، الذي كان يرتكز على الأشعرية عقيدة، والمذهب المالكي فقها، وطريقة الجنيد في التصوف، هذا الإسلام الذي جعل المغاربة يتعايشون لقرون مع كل مكونات المجتمع المغربي، بما فيها حتى باقي معتنقي الديانات الإبراهيمية الأخرى، بعيدا عن الكراهية، غير أن الفكر الوهابي تمكن من فئات مراهقة في المجتمع حيث استطاع مع كامل الأسف أن يتغلغل فيها، ومع هذا التغلغل بدأت تنتشر أفكار الكراهية مثل فكرة الولاء و البراء، ودار الحرب ودار السلم، وهجر المخالف، والعنف في نشر هذه الأفكار، الشيء الذي أسفرت عنه أحداث16 ماي الدامية الأليمة، حينها لم يفطن النظام المغربي إلى خطورة هذه الدور التي تحمل اسم "دور القرآن" لكنها تعلم كل شيء غريب عن ثقافتنا الإسلامية المغربية، إلا القرآن، ربما ظنا منه أتن ما وقع في 16 ماي، يمكن اعتباره حدثا معزولا، واستثنائيا، لكن مع تكرار الأحداث، ومع بزوغ نجم تنظيم القاعدة، وكذا بعض الجماعات المتطرفة في العراق، والتي تم تصدير العديد من الجهاديين لها من هذه الدور، تقرر إغلاقها بعد هذه الأحداث الموجعة، والتي تورط فيها الكثير ممن كانت لهم علاقة بدور القرآن، وطبعا كان هذا القرار أصبح طبيعيا وحتميا وإن جاء متأخرا كثيرا.

من بين ما قاله شيخ السلفيين المغاربة المغراوي أن " دور القرآن مباركة تنزل الرحمات بوجودها وهي خير وبركة على الوطن والملك وعلى الدولة "كلام قاله المغراوي، قبل تسع سنوات، كيف لهذه الدور، في نظركم أن تكون خيرا و بركة و هي تصدر للمجتمع على دفوعات، بعض الأشخاص المنحرفين عقائديا؟

الكهنوت الديني الوهابي يحاول ما أمكن أدلجة خطاباته عبر تغليفها بالخطاب الغيبي، من مثل ما صرح به المغراوي، وهو خطاب لا ينطلي إلا على السذج، فهذه الدور لم تنتج إلا خطاب الكراهية، حيث كانت تدعو إلى تقاليد شبه الجزيرة العربية، بدل الدعوة إلى روحانية الإسلام السمح الصافي المتسامح، فإذا كان القرآن يأمر بحب الخير للناس، والإصلاح في المجتمع، وتمتين العلاقات الإنسانية على أساس التعارف والتثقف، فإن خطاب هذه الدور قد ركز على وصف تدين المغاربة بالتدين المبتدع، فبدَعوا مجتمعاتنا وفسَقوها، بل فيهم من كفَرها، وبذلك ناقضوا كل مبادئ القرآن تحت مسمى السنة، وتحت مسمى مكافحة البدع، وتحت مسمى جهاد المبتدعة والكفار، ليسهموا في التفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة، حتى بدع الأبناء الآباء وفسقوهم، فعن أي رحمة يمكننا أن نتحدث، وهذه الدور كانت وبالا على مغربنا، رغم محدودية عدد هؤلاء الذين تشربوا هذه الأفكار الشاذة والغريبة، والتي تحمل معها من البداوة و الصلابة والغلظة الشيء الكثير، مما جعلهم يحيدون عن الصواب وينحرفون عن العقيدة السمحة مع كامل الأسف.

كيف تحللون ظاهرة بعض الشبان المغاربة خريجي الدور القرآنية المنساقين نحو خطابات ممن يوصفون بشيوخ السلفية، منهم أجانب ومنهم مغاربة، سيطروا على عقول الشباب بمعتقدات خاطئة، ورموا بهم نحو المجهول؟

معظم هؤلاء الشباب يكون تعليمهم بسيطا، تجرهم الحماسة والسذاجة إلى الالتحاق بهذه الدور، فيكون همهم هو تعلم القرآن والتدين الصحيح طبعا، غير أنهم عندما يلتحقون بهذه الدور، وبالتدرج يتم غسل أدمغتهم فيتعلمون إسلاما شاذا، يتجرعونه من هؤلاء الشيوخ، الذين يحيلوهم على الفضائيات السلفية والوهابية والإخوانية، فيتشبعون بثقافة غير ثقافتنا، وفتاوى نبتت في سياق تاريخي والجغرافي ومناخي وسياسي معين، فيوهمونهم بأن تلك الفتاوى الغريبة والشاذة هي الإسلام الصحيح، وأن ما تعلموه في المنزل من تسامح وروحانية وبساطة، ليس إلا بدعا غريبة عن الإسلام، فيقلبون الحقائق بشكل غريب، عندها فقط تنقلب الموازين لدى الغر البسيط، الذي لا معرفة له في هذا الكون الفسيح، إلا ما لقنه له شيوخه في هذه الدور وفي هذه الفضائيات والمواقع الانترنيتية.

كيف تعلق على نظرة هؤلاء المتطرفين دينيا بين قوسين، القاسية والخاطئة للمجتمع، وللدولة عموما، ممارسة وسلوكا ؟

إن أول ما يتعلم الوافد على هذه الدور، هو أن حياته كلها لا تساوي شيئا، وأن هذه الدنيا هي سجن للمؤمن، وجنة للكافر، وبالتالي عليه هجر كل متع الحياة، فالغناء حرام، والموسيقى حرام، والفنون الجميلة بكل أنواعها حرام، وأن هؤلاء الذين يفرحون ويمرحون في الدنيا ما هم في الحقيقة إلا ماجنون فساق، وأنهم غافلون عن الآخرة، ومنشغلون بالدنيا التي يعتبر متاعها كفر ومضيعة لوقت المؤمن، وأن الآخرة فيها من المتع ما لا يعد ويحصى، من حور عين وخمر لذة للشاربين، فما على هذا الغر كي ينال الجائزة الـأخروية، إلا أن ينغص على الناس "الفساق في نظره" حياتهم وأن يقوم بمجاهدتهم، لأنهم في نظره يعلنون الحرب على الله حينما يستمتعون بحياتهم، ومن هنا تولد الحقد الأعمى لدى هذه الفئة التي نشأت على الفتاوى الشاذة من كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهم.

في نظرك ما هي السبل الناجعة للحد من الظاهرة الإرهابية ، التي مازالت تستقطب بعض شبان المغرب، بل من جميع دول العالم، وهل في نظركم، أن أسلوب الردع قد يجدي خيرا لبلدنا ؟

لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا بتجفيف منابعه، ومنابع هذا الإرهاب تتمثل في النصوص التراثية الدينية التي تشجع على الكراهية، وقتل المخالف، وتقسيم البلدان والدول على أساس ديني وليس على أساس المواطنة، والبعد الإنساني الجامع، فالعالم لا ينقسم إلى دار حرب ودار سلم، والولاء والبراء يتم على أساس المواطنة وعلى أساس الصالح العام وليس الولاء المذهبي الديني، وكذا علينا أن نشجع قيم المواطنة، والتسامح والتعايش الإنساني السلمي، فقيمة الإنسان في إنسانيته وفي حبه للخير، وليس في طول لحيته، أو في تقصير قميصه، وعلينا أن نقوم بفسح المجال للمفكرين والفلاسفة المشتغلين في حقل تجديد الخطاب الديني لجعل هذا الخطاب أكثر إنسانية، وأكثر التصاقا بعصره، ليكون الفكر الديني فكرا بانيا على أساس المواطنة والإنسانية، بدل أن يكون فكرا ماضويا هداما، يحول العالم إلى جحيم وسجن لا يطاق، كما يجب أن يكون لدينا تعليم حديث يخدم هذه الأهداف ويرعاها ويغرسها في قلوب وعقول ونفوس الناشئة، أما المقاربة الأمنية فيبقى تأثيرها محدودا لأنه علينا معالجة المرض وليس الأعراض الناتجة عن المرض.

ما قراءتك للحدث الإرهابي الأخير الذي عرفته منطقة إمليل شرق مدينة مراكش؟

ما حدث بإمليل هو إنذار بشع ومزعج ومؤلم ووحشي لنا جميعا، يوضح ماذا بإمكان الإرهاب أن يفعل فينا، وفي أسرنا، وفي مجتمعاتنا، إنذار يقول لنا بكل وضوح بأن وضعنا خطر جدا، ويلزم معه أن يتحمل كل واحد منا بما في ذلك الدولة مسؤوليته التاريخية لننقذ ما يمكن إنقاذه، وننتشل مجتمعنا من دوامة من الألم قد تطول، أو قد تفضي بنا إلى الهلاك-لا قدر الله-