الأربعاء 20 فبراير 2019
كتاب الرأي

لحسن والنيعام :أيت الجيد يخرج عن صمته ويحكي سياق اغتياله

لحسن والنيعام :أيت الجيد يخرج عن صمته ويحكي سياق اغتياله لحسن والنيعام
ها أنا محمد أيت الجيد بنعيسى أقرر الخروج عن صمتي، تحت الثرى، بعد مرور حوالي رُبع قرن على اغتيالي ذات خميس أسود، للمطالبة بإنصافي.
ها أنا هنا، أشعركم بأنني متمسك بمعرفة الحقيقة. لكي لا تتكرر الجريمة البشعة التي أنهت حياتي، وتركت جروحا لا تندمل في وجدان أسرتي..
للحقيقة أقول إن ما يؤلمني أكثر هو سيل الإساءات التي تعرضت لها قضيتي.
كنا حينها أنا ورفيقي الخديوي الخمار على متن سيارة أجرة صغيرة تحمل رقم 445، في اتجاه حي "ليراك" الشعبي الذي كان ملاذا للطلبة إلى جانب الكادحين من أبناء الشعب.
أكثر من عشرين نفرا في المركب الجامعي ظهر المهراز. يوم الخميس 25 فبراير 1993.
هشموا رأسي بطوار رصيف الشارع الرئيسي للحي الصناعي "سيدي ابراهيم"، بعدما اعترضوا طريق سيارة الأجرة وأرغموني، تحت التهديد بالأسلحة البيضاء، بالنزول.
أمسك بعضهم برأسي بينما تكلف آخرون بإنهاء حياتي.
كنت أدرك بأنني مصنف لديهم في خانة "الخطر"، وعلى يقين بأنهم مستعدون لفعل أي شيء لإخراس صوتي. لوضع حد لمساري. لكنني لم أكن أخشاهم. أنا لست إنسان جبن.
ذات اجتماع مصغر في النادي بالساحة الجامعية، يقول لي أحد الرفاق ممسكا يدي بحرارة:
ـ عليك أن تحتاط. هؤلاء لا ضمير لهم. إنهم قتلة بدون شفقة
لم أفكر كثيرا بحثا عن الجواب. لقد كان لدي رد جاهز. قناعة:
ـ الخوف ليس ثقافتي. النضال قناعات وانخراط ومسؤولية. لا أهرب. ولن أتخاذل. سأواجه بالفكر والنقاش. سأجابه في الميدان إلى آخر رمق يا رفيقي
وقفوا في طريقي. أوقفوا مساري. اعترضوا سبيل السيارة. كان سائق السيارة مرتبكا. لا يدري ما حل به. نظر إلي نظرات فيها خليط من الرعب والتعاطف. يداه ترتعدان وهو يوقف السيارة. أصوات مختلطة قوية:
ـ الله أكبر. الله أكبر
ـ كم أنتم جبناء، أرد عليهم
ـ إنه هو. عدو الله
ـ أنا لست عدوا لله. أنا ابن فقيه. مناضل من أجل الكرامة. من أجل العدالة. ضد الظلم. ضد الظلام. ضد استخدام الدين لتأبيد الاستغلال.
ـ كم طال انتظار هذه اللحظة
ـ لا تتقنون سوى القتل. متعطشون دوما للدماء. أناس عنف. لإحكام السيطرة على العقول. لمحو التعدد والاختلاف
أسلحة بيضاء. هراوات. سلاسل حديدية. وجوه متجهمة. تمتد إلي الأيادي من كل الجهات، تخرجني بالقوة من السيارة
ـ انزل يا عدو الله. لقد وقعت بين أيدينا. الآن لا مفر
جروني بقوة. أمسكوني. أحكموا القبض علي. وبدأ الركل والضرب من كل الجهات.
ـ الآن سنتخلص منك، يقول جسم مفتول العضلات وهو يلوح بمدية
أسقطوني أرضا. واستمرت الضربات من كل الجهات. لم يسلم منها أي طرف من جسمي النحيل.
أمسك زعيمهم رأسي بإحكام، دكوني بأحذيتهم. ولكي يتقنوا صنع الجريمة البشعة أخذوا طوار الرصيف وهشموا رأسي، ثم لاذوا بالفرار.
ـ هيا أسرعوا. لقد أنهيناه
انصرفوا يحتفلون باغتيالي. كان الشهر شهر صيام. كانوا صائمين. يعبدون الله. الصوم بالنسبة لهم إيمان واحتساب. وقد أجهزوا علي إيمانا واحتسابا.
قتلة باسم الله.
انصرفوا ليتناولوا وجبة الفطور وهم منتشون بانتصار اغتيالي. بوضع حد لحياتي. أكلوا الثمر والرغيف. واحتسوا الحريرة. وتناولوا ما طاب من العصائر. وصلوا التراويح. لقد ربحوا الرهان. رهان اغتيالي.
كانت الإصابة قوية. دخلت في غيبوبة، ونقلت على متن سيارة إسعاف إلى قسم العناية المركزة بالمستشفى الإقليمي "الغساني". كنت أتألم بقساوة.
كنت أسمع الرفاق وهم يبكون بحرارة. ينادونني باسمي. أما أنا فكان من شبه المستحيل أن أرد عليهم. فقط أنين. لقد أجهزوا على وظائف دماغي. الموت فقط مسألة وقت. لقد كنت أراه يحيط بي وأنا طريح ما يشبه السرير في الغرفة البئيسة للمستشفى.
في حوالي السابعة وخمسة وأربعين دقيقة من فاتح مارس 1993 انتقلت إلى دار البقاء. انتهى الأنين. توقف نبض الحياة.
منذ ذلك الوقت، وأنا أنتظر الإنصاف.
لم أقتل لأنني أنا محمد بنعيسى أيت الجيد، ابن دوار "تيزكي" بـ"طاطا". قتلت لأنني حامل لفكر ولقناعات تدافع عن قيم الإختلاف والتعدد والتنوع، وتناصر الفقراء والمظلومين.
كنت على يسار اليسار. كنا حينها شباب نتعلم في مدرسة اسمها "ساحة الجامعة" بخطاب راديكالي، لكن بدافع حب الوطن. بدافع التطلع لمغرب الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية. فكان الظلام لي بالمرصاد. كنت قيد حياتي أصغر إخوتي.
التحقت بشقيقي الذي احتضنني بمدينة فاس، وبها تابعت دراستي الثانوي، قبل أن أحصل على شهادة البكالوريا، وألج الجامعة من ساحة "ظهر المهراز".
أتألم أكثر عندما أتابع سيل السباب الذي تتعرض له عائلتي ومناصري الكشف عن حقيقة الجريمة المرتكبة في حقي، من قبل بعض الرفاق القدامى.
صدحت حناجرنا جميعا بالشعارات، وخضنا جميعا الإضرابات والاحتجاجات. وتبادلنا النقاشات في الحلقيات. وساهمنا في تأطير الطلاب والطالبات، وحتى العمال والعاملات. لكن بعضهم لم يتردد حتى في منح "صكوك غفران" لمشتبه فيهم في قضيتي، فيما البعض الآخر كل دفاعه عني لافتة بمناسبة ذكرى في الجامعة، وإيقاد شموع تلعن الظلام. وفي اليوم الموالي نسيان مبين.
أتألم لرفاق حائرين. مشتتين. بعضهم بدون بوصلة. ولتبرير العجز والتشتت، فإنهم مستعدون حتى للتشهير بأفراد أسرتي، ومناصري قضيتي.
أتألم عندما أتابع عن بعد تأجيل الجلسات في المحكمة. أتألم وأنا أتابع حفظ شكايات أسرتي وهي تصر على تسليط الضوء على قضيتي، وكشف ملابسات قتلي ببشاعة.
أتألم وأنا أتابع تصريحات تشكك في قرابة أسرتي لي. يا للفظاعة.
وهل لا يحق لي أن أرتاح؟ ألا يحق حتى لأسرتي أن تطالب بالكشف عن الجناة؟ كل الجناة؟
أنا لا أدين أي أحد.
أنا فقط أطالب القضاء بالحزم.
أيها الناس لقد مر ما يقرب من ربع قرن على جريمة قتلي، فماذا عساكم تنتظرون لكشف الحقيقة، حتى أرتاح.
لقد غدروا بي، وأنا في مقتبل العمر.
لقد قتلوني بدون رحمة، فارحموني.
كانت والدتي تتطلع لأن أرد لها بعض الجميل مما تكبدته وهي تتحمل تربيتي. وكان شقيقي ينتظر مني كتفا لتحمل الأعباء. وكان أبناؤه يتطلعون لأن يصنعوا مساراتهم اقتداء بمساري. وكان من الممكن أن أكون طاقة إيجابية تساهم في صنع تحولات مغرب اليوم، بعد أن أكون قد تخرجت من مدرسة "ساحة الجامعة"، كما غيري من خيرة أطر مغرب اليوم. لكنهم قتلوا كل هذه الأحلام.
قتلوا حلم طاقة تواقة للديمقراطية والإصلاح. قتلوا حلم أم توفيت مكلومة. وشقيق ظل يذرف الدموع إلى أن فارق الحياة. وأبناؤه لا يزالون في معترك الحياة، يواصلون طلب الإنصاف. قتلوا مساهمة واعدة في صنع حراك مغرب اليوم والغد. مغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
أنا لا أدين أحدا. أنا فقط أريد أن أرتاح.
• مقطع من رواية "رسالة تحت التراب"، لكاتبها لحسن والنيعام