الجمعة 19 يوليو 2019
سياسة

الدكتور تدموري: النخبة السياسية المتنفذة بين نظرية المؤامرة والمفهوم المبتذل للسياسة (1)

الدكتور تدموري: النخبة السياسية المتنفذة بين نظرية المؤامرة والمفهوم المبتذل للسياسة (1) د. عبد الوهاب تدمري

تشرع جريدة "أنفاس بريس" نشر أجزاء من المقال التأملي للفاعل الحقوقي د. عبد الوهاب تدمري، وهو مقاربة سياسية لمحاولة الغوص في طريقة تفكير النخب الحاكمة بعد أن فشلت في تقديم نفسها بديلا للرعيل القديم، ليس كوجوه جديدة، بل بأفكار وتصورات سياسية، وغير مدركة لما يشهده المجتمع المغربي والعالم من حولنا من ارتجاجات وذلك من خلال الوقوف عند عنصرين يبدوان لي مهمين لفهم طريقة التفكير عندها.

"كان بودي أن أعفي نفسي من الدخول في هذا النقاش الذي يعود بنا إلى طرح أدبيات المبتدأ والخبر، لأني بكل بساطة كنت أظن، وبعد كل ما وصلنا إليه من احتقان اجتماعي وسياسي وما نمر به من أوضاع اقتصادية صعبة ترخي بظلالها على فئات واسعة من المجتمع، وما صاحب هذا وذاك من نقاشات ومن تفاعل للكثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية من داخل الدولة والمجتمع تجمع على نقد الأوضاع وتقر بفشل السياسات العمومية في إحقاق مطالب المجتمع في التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أن النخبة المتحكمة في مركز القرار، قد استلهمت الدروس وأدركت ما يحيط بالوطن من مخاطر، وأنها تجاوزت منهجيتها التقليدية في التفكير التي تحولت إلى حطام يصلح فقط لتأجيج نار الأزمة التي يمكن أن تطال الجميع. وأنها قد انتقلت إلى مستوى صياغة الجملة الفعلية التي تتطلب إجراء ما تم طرحه من مواضيع وقضايا تهم مصلحة الشعب والوطن، بدل الركون إلى مستوى المبتدأ والخبر في علم السياسة الذي يقتصر على التدبير اليومي للأزمة والارتهان إلى المقاربة الأمنية لإخضاع المجتمع لسيطرتها ولحل الأزمات الاجتماعية وما يصاحبها من احتجاجات جماهيرية.

أقول قولي هذا انطلاقا مما رصدته من فقر فكري وسياسي لنخبنا الحاكمة التي يبدو أن خوفها من فقدان ما راكمته من امتيازات ومصالح لعقود من الزمن، قد حجب عنها زوايا النظر، فلم تعد تسمع ولا ترى إلا من زاوية مصالحها الضيقة، ودون أن تتلمس ما يشهده المجتمع من تحولات في وعيه الجمعي الذي تجاوز الدولة ومؤسساتها، فأصبح يتابع بتهكم تارة وبلا مبالاة تارة أخرى، ما يطبخ من سيناريوهات لا تعمل إلا على تمديد حالة الفساد والاستبداد. وكي أوضح أكثر لابد من محاولة للغوص في طريقة تفكير هذه النخب الحاكمة، لأنها فعلا تستحق منا عناء الدراسة كحالة يائسة عصية الفهم لما يجري من حولنا من تغيرات وتحولات عصفت بالكثير من الانظمة السياسية في دول الجوار، بل لم تستفد حتى مما يقع داخل الدولة الفرنسية كدولة راعية وضامنة لما تتمتع به هذه النخبة الحاكمة من مصالح وامتيازات، وهي الدولة التي رضخت للكثير من مطالب السترات الصفراء وأطلقت في سابقة بالنسبة للتاريخ الفرنسي المعاصر ورشات للنقاشات العمومية حول الكثير من القضايا التي تهم المجتمع الفرنسي، بما فيها إعادة طرح سؤال التنمية والديمقراطية والجهوية، إلخ... هذا في الوقت الذي تتمادى فيه نخبنا الحاكمة في اعتماد نفس المقاربة التقليدية في الحكم التي تعود إلى بدايات الاستقلال، بعد أن فشلت في تقديم نفسها بديلا للرعيل القديم، ليس كوجوه جديدة، بل بأفكار وتصورات سياسية، وغير مدركة لما يشهده المجتمع المغربي والعالم من حولنا من ارتجاجات وذلك من خلال الوقوف عند عنصرين يبدوان لي مهمين لفهم طريقة التفكير عندها.

(يتبع)