الاثنين 22 إبريل 2019
مجتمع

عبد الوهاب تدمري: في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية.. قراءة في المخاطر والتداعيات (6)

عبد الوهاب تدمري: في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية.. قراءة في المخاطر والتداعيات (6) عبد الوهاب تدمري

إذن، علاقة بما سبق، ألا يمكن القول إن ما لم تدركه الدولة المغربية بأن دخولها في توافقات سياسية جديدة مع هذه الحركات سوف تنتج عنه تداعيات خطيرة ولن يكون كسابقاتها التي تمت مع أقطاب الحركة الوطنية التي حتى وإن اختلفت مع شخص الملك في مراحل تاريخية معينة، إلا أنها كانت دوما وفية وحامية للعرش. ولن يكون التنصل منها كذلك بالسهولة التي يتصورها نظام الحكم السياسي في المغرب كما كان الشأن مع الأقطاب السالفة الذكر. بل سيكون مضطرا مع مرور الوقت لتبني أطروحتها الفكرية والإيديولوجية لضمان استمراره واستمرار رضى المجتمع عليه بعد أن يصبح هذا الأخير في غالبيته حاضنا لها. وقد بدت بعض مؤشرات ذلك من خلال إطلاق أسماء تبجل الرموز الإخوانية والدينية على بعض المعالم الحضارية في المغرب كإطلاق اسم سيد قطب على شارع بطنجة، واسم البراق على القطار السريع، وكتيبة عثمان بن عفان على الفوج الجديد من كتيبة الضباط... إلخ. وبالتالي، فإن عملية التنصل منها ستكون صعبة وعنيفة ستنعكس آثارها السلبية في كلى الحالتين على الجميع.

إن هذا المشروع الأصولي المركب بين الأصولية الدينية المشرقية والأصولية المخزنية المتحكمة في مفاصل الدولة سينزع لا محالة عن هذه الأخيرة ما كانت تتسم به من خصوصيات تاريخية سياسية، روحية، وثقافية تراكمت لقرون من الزمن مكنتها من استقلاليتها عن الشرق الإسلامي، وما تنازعته ولا تزال من تيارات اصولية متعصبة. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن آفاق هذا التحالف الهجين، وعن مدى إدراك خطورته على الدولة والمجتمع من طرف من قاموا بإخراج هذا السيناريو الذي لن يدوم طويلا، بل لا بد أن يميل لصالح قوى الإسلام السياسي، نظرا لاستقوائها وتحكمها المتدرج في المؤسسات الدينية وفي مفاصل المجتمع والدولة. وإن اعتقد الجناح المتنفذ من داخل الدولة المخزنية عكس ذلك فسيكون كمن اعتقد سابقا من داخل الدولة بإمكانية الجمع بين التقاليد المخزنية في الحكم ومقتضيات الدولة الحداثية كما أسس لها ليوطي، أو من اعتقد من داخل الحركة الوطنية بإمكانية دمقرطة الدولة عبر خلق توافق سياسي دائم معها وذلك في غياب تعاقدات دستورية ملزمة للجميع.

بالتالي، فمن حقنا أن نتساءل عن طبيعة هذا التحالف: هل سيكون تحالفا تكتيكيا من أجل ضبط حركة المجتمع الذي زاغ عن طاعة الدولة ومال جزئيا لصالح حركات الإسلام السياسي؟ وهل يمكن التنصل منه عندما تحين الظروف لذلك، كما كان الشأن مع أحزاب الحركة الوطنية مع مرحلة بدايات الاستقلال عندما كانت هذه الأخيرة متحكمة في دواليب الدولة وصانعة للقرار السياسي في مقابل ما كانت تشهده المؤسسة الملكية من ضعف ووهن. وتأكل لمشروعيتها الرمزية؟ أم سيكون بالضرورة تحالفا استراتيجيا إلى حد الاندماج، خاصة عندما ستتماهى الأصولية المخزنية بالأصولية الدينية المشرقية وتتشبع بمرجعيتها الفكرية، وهو ما سيدحض اعتقادها الخاطئ بقدرتها على التنصل منه عندما تستعيد توازنها وقدرتها على التحكم في المجتمع من جديد؛ أو إلى حين تغيير قوى الرأسمال العالمي موقفها منها والتخلي عن دعمها لها؟

أو بصيغة أخرى، يمكننا القول إن التاريخ لا يمكن أن يعيد نفسه، وأن ما نشهده من عودة للدولة المخزنية إلى طبيعتها الأصولية المحافظة، تعني غلبة التوجه الأصولي المخزني على التوجه الذي اعتقد من داخل الدولة بالجمع بين الحداثة التي أسس لها ليوطي وبين التقاليد المخزنية العريقة، وذلك في توليفة هجينة كان لابد لها أن تحسم في أحد الاتجاهين. وبالتالي فإن تحالف التوجه الغالب مع الأصولية الدينية المشرقية يندرج ضمن التلاقي الموضوعي بين مرجعيتين محافظتين تجمعهما مصلحة سياسية ظرفية مشتركة فرضتها ظروف الأزمة التي يمر بها كل من الدولة والمجتمع، لكن مختلفتين من حيث المناهل والروافد.

وهنا لابد من القول، إن ما لم تستشعره الأصولية المخزنية هو كون هذه الحركات لا تستقي مشروعيتها من تراثنا الديني المغربي الذي كان دوما مستقلا عن المشرق وشكل تراثا لاماديا ساهم إلى جانب مكونات أخرى في صقل الشخصية المغربية، ومكنها من تلك المناعة ضد التجاذبات المذهبية المشرقية. بل من مرجعية مشرقية تعمل ضمن تنظيم دولي يؤمن بقيام دولة الخلافة في عموم العالم الإسلامي، الذي لا يشكل المغرب بالنسبة لها سوى ولاية من ولاياتها. وهو ما يتناقض استراتيجيا مع مؤسسة العرش وما راكمته من تقاليد مخزنية في شكل الحكم والسلطة، حتى وإن بدت هذه الحركات تكتيكيا متفقة ومدافعة عن إمارة المؤمنين.

إن هذا التوجه المخزني المحافظ في تحالفه مع قوى الإسلام السياسي المشرقي ينزع عن العرش كل المقومات التي شكلت مصدرا لمشروعيته التاريخية وسيفقد تدريجيا موروثه الروحي والديني والثقافي الأصيل في المجتمع، المغربي، والتي ستحل محله تدريجيا منابع فكرية إخوانية وهابية. وهو ما سيفرض عليه بالضرورة التماهي الكلي معها من أجل ضمان استمراره في الحكم والسلطة، حتى وإن تطلب ذلك الانتقال من المملكة، كما خطط لها ليوطي وجزء من الحركة الوطنية إلى الامارة كما تتصورها حركات الإسلام السياسي الإخواني والوهابي، بما يقتضيه ذلك من تراجع عن كل ما تمت مراكمته من قيم حداثية من داخل الدولة والمجتمع في مقابل تسيد الفكر التكفيري والخرافي الذي سيدخل المجتمع في صراع أفقي حاد يقضي على اللحمة، التي ميزت النسيج الاجتماعي المغربي عبر تاريخه العريق.