الخميس 27 يونيو 2019
مجتمع

عبد الوهاب تدمري:في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية (4)

عبد الوهاب تدمري:في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية (4) عبد الوهاب تدمري
تشرع جريدة "أنفاس بريس" في نشر حلقات من مقال تأملي للباحث د. عبد الوهاب تدمري بعنوان: "في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية"، وهو قراءة مستفيضة ناقش فيها كاتب المقال وجهة نظره وأفكاره وتحليله الشخصي للواقع السياسي وما يرشح به من تناقضات واشتباكات وتعقيدات.
المجتمع وما يتخلله من حركية:
إذا كانت الدولة المخزنية بتوجهها الأصولي هي المهيمنة بشكل فوقي على الشأن السياسي وعلى المجتمع بما تمتلكه من أدوات قمعية و زجرية، ومن خلال تحكمها في المؤسسات الأمنية والجيش والقضاء وإلى غير ذلك من أجهزة الدولة، فإن حركات الإسلام السياسي التي تنتهج إستراتيجية القضم التدريجي، لم تستطع إلى حدود الساعة ضبط كل حركة الشارع السياسي الذي يشهد الكثير من الاحتجاجات المطلبية الوطنية والمناطقية رغم دعوتها المكشوفة لعدم المشاركة فيها بالنسبة لقواعدها وانصارها والمتعاطفين معها أو إلى عدم النزول بكل ثقلها في هذه الاحتجاجات بالنسبة للبعض الآخر من هذه الحركات التي التزمت ما يمكن أن نسميه بعدم التصادم المباشر مع الدولة المخزنية في هذه المرحلة التي ربما ترى أنها لا زالت ليست بتلك القوة الجماهيرية التي تؤهلها إلى الدخول في هكذا مواجهة، على الرغم من كونها قوة تؤهلها للفوز في أي استحقاق انتخابي نظرا. للنسبة العالية للمقاطعين لها من الشعب المغربي. وبالتالي التأني والاستفادة من ما يتيحه لها وضعها الحالي من أجل توسيع قاعدتها الشعبية.
إن المجتمع في غالبيته، ومن خلال ما يشهده من حركية منفلتة عن الدولة المخزنية وعن الأحزاب السياسية، بما فيها تلك المحسوبة على حركات الإسلام السياسي، فإنه يؤكد عن حيويته وتعدده وانعدام ثقته في ما يتم إخراجه من سيناريوهات سياسية حتى وإن كانت بمشاركة ومباركة حركات الإسلام السياسي، كما يؤكد من خلال ما يبدعه من أشكال نضالية تزاوج بين الاحتجاجات الميدانية، وتلك التي توظف من خلالها وسائط التواصل الاجتماعي وأعمال التقنيات الإعلامية الالكترونية الحديثة، إنه لا يزال في مجمله يختزن مقومات المناعة ضد الاستيلاب المخزني وضد محاولات التدجين والاحتواء من طرف حركات الإسلام السياسي.
لكن على الرغم من هذه الممانعة التي تعبر عنها هذه الفئات الواسعة من المجتمع، إلا أنها كذلك تبقى ممانعة هشة، مادامت تفتقد لرؤية موحدة، ولمشروع سياسي مجتمعي بديل، قادر على تأطير وتوجيه عملها وتوحيد عملها الميداني من أجل الارتقاء بهذا الحراك الشعبي من مستواه المناطقي المعزول في أقاليم محددة، إلى مستواه الجهوي والوطني الذي يمكنه من إحقاق أهدافه المتمثلة في الحق في التنمية والديمقراطية والحق في الحرية والعدالة الاجتماعية..
إذن في غياب امتلاك المجتمع لمشروع سياسي مجتمعي بديل، وبالرغم مما يتمتع به حاليا من حركية منفلتة، إلا أنها ستبقى حركية هشة وبدون آفاق إستراتيجية سيسهل اختراقها واحتواؤها لاحقا من طرف القوى الأكثر تنظيما وتأثيرا، حتى وإن لم تتوفر هذه القوى على غالبية مجتمعية. وتبقى في هذه الحالة حركات الإسلام السياسي هي الأكثر استعداد وقدرة على إنجاز هذه المهام عندما تحين ساعة الصفر بالنسبة لها لإنجاز هذه المهمة، خاصة وأنها أحجمت في السنوات الأخيرة عن إبراز قدراتها التعبوية وقوتها الميدانية والتنظيمية.
إذن فعلى الرغم مما تظهره هذه الحركية من انفلات في هذه المرحلة عن الدولة ومؤسساتها الوسطية نتيجة فقدان غالبية الشعب المغربي الثقة منها، إلا أن المجتمع سيظل مجال تقاطبات دائمة من طرف القوى السياسية الأكثر استعدادا لتأطيره وفق ما تطرحه من مفاهيم فكرية ومشاريع سياسية لا يمكن لها أن تتحقق دون توفرها على قاعدة شعبية واسعة وضرورية لتغيير موازين القوى لصالحها. وبالتالي توجيه حركية المجتمع بما يخدم أهدافها الاستراتيجية. وفي وضعنا السياسي الحالي الذي من خصائصه البينة، انحصار شبه كلي للمشروع الديمقراطي الحداثي، في مقابل تغول الدولة المخزنية التي أصبحت في مواجهة مباشرة مع المجتمع وتعمل جاهدة من أجل إخضاعه رغم ما يبديه هذا الأخير من ممانعة وتجديد في أشكال مقاومته.. فإن حركات الإسلام السياسي ستبقى هي المؤهلة لتأطير حركية المجتمع، مستفيدة في ذلك مما يتيحه لها من امتيازات تواجدها في مراكز السلطة، ومن تحكمها في مؤسسات الحقل الديني والتعليمي، وما تعمل على تسويقه لقواعدها والرأي العام الشعبي، على كونها ضحية لما تتعرض له من حصار وتقييد لعملها السياسي من طرف الدولة المخزنية وبعض القوى العلمانية حسب تعبيرها. وفي الإطار نفسه ومن أجل إبراز وفهم هذه المزاوجة بين المسؤولية والمعارضة في تدبير الشأن السياسي العام بالنسبة لهذه الحركات، يمكن الاستئناس بالبيان الأخير للمكتب السياسي للعدالة والتنمية الذي ينتقد فيه بشدة أداء الحكومة التي يترأسها كاتبها العام نفسه. ونظرا لكل ما سبق ستبقى هذه الحركات الملاذ الوحيد الذي ستلجأ إليه الدولة المخزنية بايعاز من طرف قوى الرأسمال العالمي من أجل عقد توافقات سياسية بديلة معها تؤمن لها الاستمرارية ولو مرحليا في التحكم وضبط حركية المجتمع.