الثلاثاء 19 مارس 2019
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة: انبعاث الشاعر من قبر الاطلال

عبد اللطيف برادة: انبعاث الشاعر من قبر الاطلال عبد اللطيف برادة


يموت الشاعر مرارا فتظل خطاه ثابتة

يموت الشاعر و ينبعث من جديد محملا بصدى الكلمات
ينهض من عمق السبات وفي يده اقحوانة
يتكلم وكلما تكلم او نطق بحرف تحط فراشة زرقاء اللون لتقفل فمه بابتسامة
يتكلم تم يبتسم فترتسم على شفتيه اسئلة وقحة لم يجرا عليها شاعرا من قبله
يتأوه فيستقر في حلمه فيسطر حبرا من العطر على ورق شفاف كالزجاج
يغمس قلمه في قعر قلبه الجريح فتسقط الاحرف من رموشه
تظل بعض الاحرف قابعة بين رفين من الأصابع و معلقة ما بين الافق والحضيض
لم يعد الشاعر العائد من الغربة كما كان
لم يعد يطلّ من وراء السحب كالبرق
ديوانه الاول فقط سطر بأحرف من عناد الصعاليك الاولون اما ما تبقى فكله صمت قاتل
لقد وضع الان كل الابجدية على الرف واعتنق احرف الهيروغليفية بدل الابجدية الكاذبة
كلما قرأت له حرفا يهزك اليقين فننفض هكذا من غبار الخرافة
تحولت فجأة تحت اعينه الحقيقة المتداولة الى وهم و كل الحقيقة الى حقيقة الوهم
يتعجب الان ثم يرضخ للأمر الواقع
يأسف الشاعر المسافر عن ايامه بينما كان يتنقل ما بين قطر وقطر
يتذكر كل ما مضى
فلم يعد يطيق الان ان يتذكر
يلتفت كل مرة بحصره الى الوراء
يتألم الشاعر عندما يتذكر
لم يعد يطيق هذا الشوق الثقيل المقرون بالألم
لقد تيقن الان انه لن يغادرنا ابدا وهم الماضي السحيق

ها هو الان يتساءل عن اللغز المحير

فلما الالتفات الى الوراء يقول السنا جديرين بكل ألأزمنة
يتحمل الان لوحده ثقل سيزيف فيحاول ان ينفك من ثقل الامس
هل يعلم وهو يتساءل ان الزمن ينفلت

لقد ادرك الان ان كل الحقب و الحضارات استدارت له ظهرها الان
جثمت الامم النائمة على الاطلال فلم تعد للألفية القادمة اى احتفال
وما هي الحيلة لكي لا يحمل كل واحد منا من جديد حجر القدر
لا زال الانسان الدءوب في حركة لا تستقر من اسفل الى اعلى
نسينا ونحن نركض أن لنا حلم لمدينة تتغنى بالعشق والجمال
يبتسم لأنه يعتقد انه ولد كي يحيي الغد وبأنه لم يولد للتفاهة
جاء كي يقتل وحش الخرافة فيكم
جاء كي يطهر القروح والجروح من دمائكم
جاء كي يجعل درب القصيدة براق يصعد لأعلى سماء
فما من أفق فوق تفاهة الانسان المنحط وألا سيطرقه
سيحمل هكذا المشعل

سيذكر كل الشعوب بمأساة الحرية والديمقراطية التي لم تتلاءم مع حلم القضية

وسيعبد طريقا يمتد الى ما بعد حدود الحلم حتى تكتمل ملامح الغد
يكتب و يتساءل كيف له ان يعصف باللغة كي تنبعث بروح جديدة
كيف له ان يلملم شتات النص بعد ضياع احرف أللغة ويتهيأ لأبجدية انسان الغد
رغم كل الالم لا ينعي الجرح بل يدين له بملح ألحياة
من الطين يبني حلمه هذا اولا ثم من زجاج
يتمايل فيجد نفسه بين خلجات الجرح وألوانه

تتفاقم بداخله معاول البناء والهدم
مثل الافق يلبس حلمه لون الخجل
ها هو يتساءل فمن يحلّ وثاقه

اهو عشقه الذي سيحرر عقله المكتوي بالخرافة
يكتوي بالألم كذلك فيكتبه نصا ثم يمزقه بكل الاصبع من اجل صياغة اخرى
وما يذكره بلحظة الفراغ يجعله يشرد في فضاء الورق
لقد وهبته الحياة كلمات لا تنتمي الى القبيلة
احرف تتدحرج كرات من نار وثلج
وذاكرة لا تخون ولا تسرع الخطى ركضا الى الامام
يحصي كل الالام وهو يواكب شمسا فتية و يحمل المشاعل الى الظلمة
غاب صوت الحق فأضعنا الحلم يقول
حلمنا قطفناه من حمى ومعارك لم تعد إلا لسلطان الجهل
حلم لم تعد تفرده سوى صفحة من شعر
اعددنا لمعاركنا موت ولفرحتنا ساعة رملية و مجانق أجفلت ألريح فاسقطت إمارة من إبط نسر عابر
كان الشاعر يتهيئ لغد افضل فأعد كل الوانه وفرشاته
وحين تذكرانه زمن الغدر غرس فرشاته في قلبه وابتلع كل الالوان