الأحد 20 يناير 2019
مجتمع

المطالب العشرة لمحام في مواجهة إدارة الضريبة

المطالب العشرة لمحام في مواجهة إدارة الضريبة محمد الشمسي، محام بهيئة المحامين بالدارالبيضاء

مساهمة مني في إغناء النقاش ، بعد الخلاف حول مقترحات إدارة الضرائب الذي عرضته على أهل المهن الحرة وأخص بالذكر المحامون والموثقون ، وبعد عشرات البلاغات والبيانات التي تأرجحت بين الدعوة لـ"ضبط النفس" وأخرى تهدد بالمسيرات والوقفات ، كان لابد من تعميق النقاش والمساهمة فيه بدل انتظار ما سيسفر عليه القادم من الأيام .

أود أن أشير إلى أنه ليس لي أي مطمح انتخابي مهني ، ولا حساب سياسي ، فأنا عازف عن الاثنين معا ، لأسباب ليس زمكان بسطها ، ولو أن الطموح الانتخابي المهني حق مشروع ، شأنه شأن العمل السياسي ، فأنا أشدد على تنازلي عن الحقين معا ، وعليه فمساهمتي لا أبغي من ورائها الركوب على موجة ، أو كسب شهرة ، أو شق صف ، أقول قولي هذا لأبرأ بنفسي من كل وصف .

أولا : مخطئ من يعتقد أن المحامين والمحاميات يطلبون من الدولة إعفاءهم أو استثناءهم من تحملهم الضريبي ، فالمحامي والمحامية في طليعة أعداء الريع ، وفي مقدمة المنادين بسواسية الجميع أمام القانون في الحقوق والواجبات ، لذلك لا يجهل علينا بعض الجهلة ويقذفوننا بما ليس فينا ، فنحن مستعدون ليس فقط في تحمل أعباء الدولة ماليا ، بل مستعدون لهجر مكاتبنا وحمل السلاح دفاعا عن وطننا ، ونحن ندافع عنه في كل ملف ، في كل جلسة ، عندما نساهم في تطهير المساطر ، وتتبع الملفات ، ومساعدة القضاء في تحقيق العدل والإنصاف المرتبطين بتحقيق الأمن والاستقرار في البلد ، أليس "العدل أساس الملك".

ثانيا : ما نود أن نطرحه ونشدد عليه أنه حان الوقت للمحامين والمحاميات كي يعرضوا على الدولة وضعياتهم ، ويذكرونها بتخلفها عن القيام بواجبها تجاههم ، وإهمالها لهم ، وهم الذين يساهمون في تحقيق أركان المحاكمة العادلة ، التي باتت عاملا في تبييض وجوه الدول في المحافل الدولية ، وأود في النقطة الثالثة هذه ، أن استعرض جليل الخدمات التي يقدمها  المحامي والمحامية للدولة بدون جزاء :

1\ أفنى المحامون والمحاميات أعمارهم على مر الأجيال الماضية ولا يزالون يؤازرون عددا من المتهمين الرشداء والقاصرين ممن تكون مؤازرتهم بواسطة محام إجبارية ، ولا يمكن مناقشة الملف ولا حكم القضية بدون محام أو محامية ، فكان المحامون والمحاميات يتطوعون وأقول يتطوعون للقيام بتلك المهام بشرف وإخلاص ، تيسيرا للسير العادي للملفات والبت فيها في آجال معقولة ، قبل تحديد أتعاب تلك المساعدة القضائية في مبلغ زهيد قدره 2500 درهم طيلة مرحلة من مراحل التقاضي وفي ملف جنائي قد تصل عدد جلساته الى 80 جلسة ، وهنا يبرز التناقض بين دولة بإمكانياتها الضخمة تمنح محاميا 2500 درهم في ملف قد يبقى معروضا أمام المحكمة لسنة كاملة ، وبين ما تقترحه إدارة الضرائب على هذا المحامي من مقترح .

2\ يتطوع الكثير من المحامين والمحاميات للدفاع عن مصالح عدد من الفئات الهشة والتي تعاني الحاجة ، مثل المطلقات والزوجات اللواتي يمسك الأزواج على الإنفاق عليهن وعلى أبنائهن ، وحتى رهان المحامي او المحامية على تنفيذ الأحكام في آخر المسطرة لتحصيل الأتعاب قد يقابله امتناع المنفذ عليه واختياره للاعتقال بدل الأداء ، ثم هناك أحكام تنتهي بمحاضر امتناع ولا يمكن حتى سلك مسطرة الإكراه البدين فيها ، وتبقى أتعاب المحامي معلقة .

3\ يتطوع المحامون للدفاع سواء مؤازرة للمتهمين أو حماية لمصالح الضحايا في عدد من الملفات الكبيرة ذات الصبغة المرتبطة بالسياسة أو الصحافة أو حرية التعبير أو حالة القاصرين الجانحين ، كل ذلك يكون بدافع اجتماعي إنساني قد لا تؤمن به إدارة الضرائب لكن الدولة تخصص له وزارة خاصة .

4\ يسهل المحامون والمحاميات أعباء كثيرة على جهاز كتابة الضبط بمختلف المحاكم ، ويساعدون القضاء في تجهيز الملفات ، واستيعاب جوهرها ، ولفت الانتباه إلى كل خلل مسطري ، وكل ذلك قصد إحقاق الحقوق ، بإصدار أحكام تكون عنوانا للعدالة ، عن طريق تقديم المقالات والمذكرات والمرفقات في أحسن حلة .

5\ يساهم المحامون في تدوير عجلة الاقتصاد ، عن طريق إنعاش عدد من المهن المرتبطة وجودا وعدما بمهنة المحاماة ، ثم إنهم يشغلون عددا من الكتاب والكاتبات ، ومن المكاتب من يشغل عددا من المحامين والمحاميات الذين لم تسعفهم الظروف المادية على الاستقلال في مكاتب خاصة بهم ، وهي مكاتب تخفف من هول مشاكل المهنة باحتواء هذا الصنف من المحامين والمحاميات .

6\ يساهم المحامون والمحاميات بواسطة هيآتهم المهنية على نسج علاقات وفتح قنوات التواصل مع هيآت مهنية في دول أخرى ، مما يجعل من المحاماة سفارة مهنية ، تسعى إلى نهج سياسة الانفتاح ، أو ما يمكن تسميته ب"الديبلوماسية المهنية" ، سيما مع عقد الندوات والمؤتمرات ذات الصيت المهني العالمي سواء في المغرب ، أو بمشاركة هيآت مغربية في الخارج .

ثالثا: بالمقابل لا يحظى المحامي او المحامية بأي دعم من طرف دولته ، حتى جاز وصف علاقة الدولة بالمحامين وبالمحاميات أنها علاقة تهميش وإهمال ، فباستثناء تنظيم وزارة العدل لامتحان ولوج المهنة ، فإنه ومنذ تاريخ تفوق المرشح وتسلمه لشهادة النجاح تختفي الدولة تماما من حياته وتتركه يتخبط ، ما بين التزام مهني وأخلاقي يفرضه عليه القانون والأعراف ومدونة السلوك ، وما بين ضغط الحاجة وقلة التكوين اللذان قد يجرانه نحو سكة الانحراف ، فالدولة لا تساهم في تكوين وتدريب المحامين المتمرنين ، ولا في التكوين المستمر للرسميين ، وهي قبل ذلك لا تدعم المرشح حتى بقسط من واجبات الاشتراك التي تصل إلى 100.000 درهم ، وهي لا تدعمه بدورات تكوينية وتحسيسية تطور مهارته  ، خاصة في زمن تعدد اللغات وتطور المعلوميات ، وترك الأمر في ذلك للهيآت المهنية ، ثم إن هذا المحامي او المحامية يتم السنوات الثلاث العجاف من التمرين بمنحة هزيلة ، تقابلها أعباء ثقيلة ، ويتم ترسيمه في جدول الهيئة ، ومرة أخرى تخذله الدولة حين لا تقدم له يد العون ، فلا قروض بنكية تفضيلية بضمانة شهادة نجاحه وشهادة عمله ليقتني مكتبا يمارس فيه مهنة تتطلب كثيرا من العفة والكرامة ، ويبقى المحامي والمحامية يتنقلان بين المكاتب حينا ، وأحيانا بلا مكاتب ، يتخذون من المقاهي أو السيارات فضاء للتخابر مع الموكلين بما يخل بنبل وشموخ المهنة ، لكن فوق الطاقة لا يلام الإنسان ، سيما بعد تأسيس أسرة وتراكم التبعات ، هذا المحامي والمحامية من هذه الشريحة يشكل قاعدة تكاد تصل الى النصف إلم يخني التقدير ، لكن هناك محظوظون قد يأتون للمهنة من وضع اجتماعي مريح ، يتمرنون ومكاتبهم الجاهزة تنتظرهم ، وقد يكون الأب أو الأم أو العم أو الخال محاميا سابقا فتسهل المهمة .

رابعا : تساهم الدولة بقصد أو غير قصد بإغراق المهنة بأفواج متلاحقة من المرشحين للمهنة ، في محاولة من الدولة امتصاص البطالة في صفوف المجازين ، ويتزاحم العرض على طلب هش ، والدولة غير آبهة لا بالفوج السابق ولا بالفوج اللاحق ، مستمرة في إنتاج الأفواج وإلحاقها بالمهنة ، فتستشري ظواهر سلبية ، مع تراكم المعاناة واستمرار الدولة في إهمالها وإقصائها لهذه المهنة ولأهلها .

كما تساهم الدولة وعبر القانون المنظم للمحاماة بالسماح لعدد من ممتهني بعض الوظائف أو المهن السابقة بولوج مهنة المحاماة فيزيد الضغط على مهنة لم تعد تقوى على الاستيعاب ، وبديهي أن تظهر عددا من الشوائب المسيئة لصورة المهنة ، وبديهي أن تتشكل سحب الأزمة ، التي ستمطر هما وألما .

ثم إن هذه الدولة هي نفسها لا تلتزم بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها .

ثم إن هذه الدولة لا يفرض عليها القانون تنصيب محام ، وتدافع عن مصالحها بواسطة المفوض القضائي .

خامسا : لا توفر الدولة للمحامي والمحامية تقاعدا يضمن له خريف العمر ، كما لا توفر له تأمينا صحيا يدعمه في حالة المرض ، لاسيما مع الأمراض المزمنة و الفتاكة المكلفة ماديا ، ويبقى المحامون والمحاميات يتطببون على نفقتهم بدون تغطية ولا تأمين ، ويبقون مهددين بالجوع وبالضياع مع كبر أعمارهم و انقطاع الدخل بتوقفهم عن العمل والإنتاج  .

صحيح أن مثل هذه المطالب لا يعترف بها القانون الضريبي الذي يؤمن بالدفع والأداء ، لكنها مطالب تقدم للدولة في شخص رئاسة الحكومة ، لتنكب على دراستها وتحليلها وتجد لها المخرج والمنفذ  .

سادسا : على الدولة أن تقوم بواجبها تجاه المحامين والمحاميات من حيث دعمهم في بداية مسارهم ، بتوفير وتحمل تكوينهم وتكوينهم المستمر لتطوير مهاراتهم ومكتسباتهم قصد إدماجهم في قضاء بات مرتبطا بالتطور التقني وبالانترنت وبمساطر التحكيم الدولي خاصة مع وجود شركات متعددة الجنسيات تستثمر في المغرب ، ولها مصالح ممتدة خارج أرض الوطن .

سابعا : يتعين على الدولة أن تواصل تحديث المحاكم ورقمنتها ، بما يسهل ولوج المحامين إليها ، كما عليها أن تحارب تلك المهن العشوائية التي تزاحم المحامين والمحاميات في قوت يومهم ، مثل دكاكين من يسمون بالكتاب العموميين ، وبعض المكاتب الملتبسة المهام مثل مكاتب الاستشارات القانونية ومكاتب تحصيل الديون ، كما عليها محاربة أفعال السمسرة البئيسة التي تكون على حساب القانون ، وأن تفسح المجال أمام قضاء تكون فيه الكلمة الأولى للقانون ولا شيء سواه ، فقد أثبتت بعض التجارب السوداء أن بعض الملفات يكون فيها القانون شكليا ، وأن الأحكام الصادرة فيها توجهها إلى هذه الجهة أو تلك مسالك ملتوية ، وأن المتقاضين تولد لديهم شعور بعدم جدوى تنصيب محام او محامية يتحدث لغة القانون ، وأنهم يبحثون لهم وسطاء وقد يلعب المحامي او المحامية دور الوسيط في بعض الأحيان .

ثامنا :  على إدارة الضرائب أن تقدم للمحامين وللمحاميات معايير علمية لتحديد قيمة ما يمكنهم أداؤه من واجبات ضريبية ، ويجب البحث سويا ( بين المحامون والمحاميات بواسطة هيآتهم من جهة وإدارة الضرائب من جهة ثانية )، عن صيغة يمكن اعتمادها لتحديد الواجب الضريبي ، ويمن للمحامين بدورهم الاستعانة بمكاتب خبراء ومحاسبة لتقديم عرض أو مقترح لإدارة الضرائب ، يقوم على استحضار خصوصية المهنة ومعاناة الكثير من أهلها ، وليس الاكتفاء برفض كل مقترح ضريبي .

يمكن للمحامين مثلا أن يقدموا لإدارة الضرائب محاضر الامتناع عن تنفيذ أحكام ، وكذا مقررات تحديد أتعاب ، لإثبات عدم توصلهم بأتعابهم في تلك الملفات ، مثلما تفعل شركات الاتصالات الثلاث .

تاسعا : نسخ القانون المنظم لمهنة المحاماة وصياغة مشروع قانون يعيد لمهنة المحاماة شفافيتها وحكامتها على مستوى الترشيح والتصويت وتسيير الهيئة ، نقيبا ومجلسا ، كأن يتم إقرار حق المحامي في الترشح لمنصب النقيب مرة واحدة في كل 10 سنوات ، وعضو المجلس مرة كل 5 سنوات ، بما يسمح لكل المحامين والمحاميات بأخذ فرصة التسيير ، مع إقرار المساواة والمناصفة عن طريق وضع "كوطا مهنية" للمحاميات قصد وصولهن الى منصب النقيبة أو عضوة المجلس ، تحقيقا لمزيد من الوضوح ، وتكافؤ الفرص.

عاشرا : عند فشل المفاوضات ، وعدم تجاوب إدارة الضرائب ، فلا مفر من النزول الى الشارع ، ونعلنها وقفة وطنية تاريخية ، لن ننهيها إلا بتحمل الدولة لمسؤولياتها نحو المحامين والمحاميات .

هذا ما يمكنني تقديمه لمهنة إن أعد نعمها فلن أحصيها.