الخميس 25 إبريل 2019
كتاب الرأي

عبد الله جبار: مغاربة إيطاليا وإشكالية إقلاع جمعوي حقيقي  

عبد الله جبار: مغاربة إيطاليا وإشكالية إقلاع جمعوي حقيقي   عبد الله جبار، باحث في قضايا الهجرة، إيطاليا

مرت الجمعيات المغربية بايطاليا في سياق تشكلها التاريخي بتجربة أشبه بتلك التي عرفها الفعل المدني بالمغرب سواء من حيث الظروف المحيطة بالنشأة، أو من حيث الأهداف وطبيعة نشاطها إذ يعود تاريخ ظهور الجمعيات المغربية بالخارج إلى اواخرالقرن الماضي، حيث طغى عليها الطابع الخيري. وقام بهذا النشاط أشخاص معروفون رأوا في هذا النوع من العمل رافدًا إضافيًا لتعزيز مكانتهم وتقربهم من السلطة بعد تجربة ما كان يعرف باسم الوداديات التي كان هدفها وضع قيود على تشكيل وعمل الجمعيات بمفهومها الحقيقي ذات الابعاد الديمقراطية، لحقوقية، الاجتماعية والتوعوية، حيث كان منتسبي هذه الوداديات يعيقون كل فعل جاد وكل من خالفهم الرأي يتم تخوينه. إنها فترة الصراع السياسي الذي كان المغرب مسرحا له في السبعينيات والثمانينيات، وامتد هذا الصراع خارج الحدود حيث استقر الحال بالمعارضين. وهو ما انعكس سلبا على عموم مغاربة الخارج الذين نأو بأنفسهم عن كل ما هو جمعوي فخلت الساحة للمنتفعين. إن هذا الواقع سيتغير بعد أن قررت الدولة طي صفحة الماضي، وقد ورد هذا في تقرير هيأة الانصاف والمصالحة، لكن جرج السنوات الماضية كان عميقا ولازال مفعوله ساريا نجتر آثاره ولو بنسب مختلفة إلى اليوم .فاصبحنا نعيش وضعا مزريا على مستوى الحضور وفرض الذات.

لكن أليس من باب الاجحاف تعليق أسباب الإخفاق كلها على مشجب الدولة، والقول أنها هي العائق دون وجود فعل مدني يستجيب لتطلعات الجالية وكل الأجيال المتعاقبة.

إن حدا ادنى من الموضوعية يقتضي النظر إلى الذات والبحث في أسباب هذا الركود إن لم نقل الإخفاق التام. وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل بديهي: لماذا لم يتطور العمل الجمعوي إن على مستوى المردودية اوالتنظيم، في الوقت الذي عرفت فيه الجالية تزايدا وانتشارا كبيرا؟ ولماذا لم تستفد الجالية من سياسة الانفتاح التي وفرها العهد الجديد خصوصا وأن الدستور الحالي أعطى للحقل الجمعوي مجموعة من الصلاحيات لتعزيز مكانة المجتمع المدني في مختلف مراحل تدبير الشأن العام في إطار الديمقراطية التشاركية.. وإعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكسبه ثقافة المرافعة؟

إنها أسئلة تستفز من يقودون اليوم ويتربعون على عرش هذه الجمعيات التي ولدت بطريقة قيصرية قبل موعدها الطبيعي، فتأسيس فعل جمعوي جاد يقتضي بدءا ذي بدء وجود تصورومقاربة موضوعية متكاملة لمجال الاشتغال، تجيب من خلالها هذه الجمعيات على مجموعة من الانتضارات والتحولات التي عرفتها ظاهرة الهجرة إلى أوروبا من مؤقتة إلى دائمة والتي اصبحت تؤرق كل الاطراف من قبيل: ارتفاع نسبة النساء المهاجرا، ارتفاع نسبة الزواج المختلط، ارتفاع نسبة التجنس، المسألة الدينية، مسألة الاندماج... كلها تحديات لانجد لها أثرا يدكر في ادبيات مختلف الجمعيات -إن وجدت هذه الأدبيات- دون مزايدة. فعلى الرغم من وجود جمعيات الهجرة بإيطاليا بكثرة، إلا أن حضورها لا يكاد يتعدى الإطار القانوني لأنّ واقع حاله، ممارساتها وطرق اشتغالها تذكرنا بتجمعات عرفها المغرب مند القدم وهي إطارات تقليدية إن كان على مستوى التركبة أو حتى على مستوى مجال الاشتغال، فهي أقرب إلى الإطارات الخيرية منها إلى الجمعيات ذات البعدالحقوقي التنموي أو ما يسمى بالسلطة المضادة بالنظر إلى أهميتها في المجتمعات الديمقراطية، زد على ذالك فكرة التأسيس المبنية على البعد القبائلي والعشائري بل الأسري إذ تجد جمعيات لازالت تتحدث باسم "الفخدة"، وتحمل اسم قبائل بداتها وتركز كل عملهاعلى كل ما هو إحساني  إن وجد، على قبيلتها وحتى مكاتب هذه الجمعيات تعطى فيها الأولوية للقرابة والنسب وبالتالي لاداعي لمعارضتها ولاوجود للاختلاف داخلها وبذالك فاستئثار الشخص الواحد بسلطة صناعة القرار لا يضر فقط بمصلحة الجمعية بل باهم مرتكزات العمل الجمعوي والمدني المؤسس على الدمقراطية والاختلاف. مما يساهم في التفريخ السلبي للجمعيات فنجد أصحاب الفرص الذين يتاجرون بالعمل الجمعوي ويعملون على فبركة جمعيات ورقية بين عشية وضحاها، لتصبح رقما جديدا ينضاف إلى باقي الأرقام التي سبقت لتعزيز مكانهم وقضاء حوائجهم سواء هنا أو هناك وتوسيع تسلطهم بإستغلال الجمعية، بل هذا التفريخ يصل إلى حد الصدام بين بعض الاطراف، فيتيهون وراء الترهات التي ترسم نضرة سلبية قاتمة تلاحق الجالية أمام أعين المسؤولين المحليين، ولربما تابعنا في الشهور الأخيرة التراشق الإعلامي بين أطراف لنعرف من يغذيه وما هي دوافعه.

وعليه فإن عملا من هذا النوع لن يؤتي ثماره ولن يحقق طموحات الجالية، لأنّه لايمتلك القدرة على ذلك، ما دام العمل الجمعوي يخضع بدوره لتاثيرات مختلفة أهمها مؤثر العولمة الذي أصبح يخلق مشاكل كبيرة من التعقيد الأمر الذي يحتم مقاربة جديدة وفق ادوات  تتجاوز النمو المادي والخدماتي إلى ما هو أعمق يأخد بعين الاعتبار العنصر البشري قصد تأطيره وتأهيله للمساهمة بشكل فعال ودائم في التعامل مع كل القضايا والاشكالات المرتبطة بالهجرة ومواكبة مختلف المجالات الحياتية للمهاجر، سيما وأن هذا العنصر هو الأهم في عملية البناء والتغيير، لذلك وجب تركيز الجهد وتوجيهه كنقطة ارتكاز أساسية لاعداد التربة الملائمة المحتضنة لاي عمل جمعوي، ومن ثمة يزدهر ويتطور وتتحسن المردودية وتتمكن الجمعيات من آليات وإمكانات الاعتماد على الذات ولو نسبيا تبعا لإمكاناتها وخصوصياتها أي تمكينها من مقومات الاستقلالية الذاتية والاستدامة، من جهة ومن جهة أخرى حتى لاتشعر المجتمعات المحتضنة للهجرة بعبء القي على كاهلها.

 بهذه الكيفية يمكن تنشئة جيل جديد يمكن الرهان عليه في الدفاع عن حقوق المهاجرين على مختلف المستويات وكذلك نخبة تدعم الارتباط الوجداني بأرضها وتساهم في تنميتها، وهذا يتطلب ايضا جهدا إضافيا من الدولة في إطار الانفتاح والعولمة عبر الالتفات عمليا للجالية وتغيير سياستها الازدواجية بين ما هو منصوص عليه قانونيا وما هو معمول به واقعيا.فالحكمة تقتضي أن توظف الدولة جهدها لفائدة الإنسان المهاجرعلى مستوى الحاجيات والحقوق أي المواطنة كاملة لكي نتجنب الانحرافات وألا تغض الطرف عما يقترف البعض في مجال العمل الجمعوي من خروقات وان يكون حضورها فعالا حتى لاننزلق الى الانغلاق والانحباس والتقوقع في الهويات عبر:

اعتماد الشكل التعاقدي والتشاركي تسهم فيه كل الأطراف: الدولة، الخواص والجمعيات دون تمييزوبشفافية.-

-اعتماد اليات لنشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، والتعدد والاختلاف وتبيان مفاهيمه، وتأصيلهم في اوساط الجالية، وبيان أهميتهم في الحفاظ على السلم المجتمعي وتوفير بيئة صحية لتطور الجالية داخل مجتمعات الاستقبال.

-العمل على مناهضة ثقافة الإقصاء والنفي وإلغاء الآخر، وتعزيز مفاهيم التعايش وشروطه، وإزاحة الولاءات الضيقة التي تتعارض مع المصلحة العامة .