الثلاثاء 11 مايو 2021
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني: في العدالة.. حماية للوطن 

عبد الغني السلماني: في العدالة.. حماية للوطن  عبد الغني السلماني

ـ غزوة فاس:

فاس تعرف بنكيران، وبنكيران يعرف فاس، لم يتفقدها من أجل زيارة المدينة العتيقة، والصلاة في جامع القرويين مثلا، أو زيارة مآثرها التاريخية وأمكنتها الشاهدة على الفعل الوطني الهام، بل عقد العزم من أجل حضور جلسة محاكمة عبد العالي حامي الدين، المتابع بجناية المساهمة في القتل العمد ضد المناضل اليساري والمسؤول الأوطامي محمد بنعيسى أيت الجيد. رئيس الحكومة السابق والأمين العام عبد الإله بنكيران، يختار الخرجات بعناية، من أجل تقديم الرسائل هنا وهناك.. حضر بحرس خاص وربطة عنق التي أصبحت لا تفارقه رفقة  قيادات وأعضاء حزب العدالة والتنمية، ووزراء سابقين، يتقدمهم إدريس الأزمي عمدة فاس ورئيس الفريق النيابي الحالي للحزب بمجلس النواب، وسمية بنخلدون، ورئيس الفريق النيابي بمجلس المستشارين، وقيادات أخرى تتحمل مسؤوليات مختلفة في مؤسسات وإدارات عمومية تركوا مصالح المواطنين عالقة في منتصف الأسبوع... لنصرة أخيهم المتهم في قضية القتل العمد، في جلسة أريد لها أن تكون سياسية بامتياز، حيث قرر رئيس هيئة الحكم بغرفة الجنايات تأجيل الجلسة إلى غاية 12 فبراير 2019 المقبل للاطلاع على أوراق الملف وإعداد الدفاع.

ـ للتذكير فقط:

للتذكير أن مسيرة أوطم لم تشهد أية أعمال عنف في العلاقة بين مكونات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وفصائله التاريخية، من الفترة الممتدة بين 1956 إلى غاية عقد التسعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شكل فيها  الفصيل الذي انتمى إليه الشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى، أحد أبرز وأقوى الفصائل الفاعلة داخل الجامعة المغربية. إلا أن ظهور حركة الإسلام السياسي واختيارها العمل داخل الاحاد الوطني لطلبة المغرب، بعدما كانت تعتبره (الاتحاد الوتني لملاحدة المغرب) الفرصة المواتية من أجل القضاء على الهوية الكفاحية والتقدمية لأوطم؛ حيث عمل جاهدا وبنصرة "المجاهدين" من كل المواقع والهوامش على احتلال الجامعة عن طريق إنزالات  لكونها معقلا "للإلحاد والشيوعية".. هكذا كانت الجامعة بوابة للتمدد والهيمنة على باقي قطاعات المجتمع. ومع تسعينات القرن بدأت سرايا القتل تنظم الهجمات المتواصلة على الجامعة المغربية (وجب التذكير برسالة بنكيران لوزير الداخلية يطلب فيها الترخيص لجمعيته لتتولى تطهير المغرب، وخاصة الثانويات والجامعات من الشيوعية والإلحاد...)؛ والمناسبة تقتضي التذكير لمن لم يعش هذه الفترة بغزوة أكتوبر 1991 بظهر المهراز، والتي كان ضحيتها الشاهد الحي نورالدين جرير .

ـ العدالة حصانة وطن:

يُجمِع الحقوقيون أن استقلال القضاء خطوة مهمة في اتجاه استكمال مسار سلطة العدالة، بيد أن ذلك لا يمنع من طرح العديد من التساؤلات حول رؤية الحزب الأغلبي الذي يقود الحكومة، وكيف تفاعل مع قرار القاضي الذي طالب بفتح ملف بنعيسى بعد طلب عائلة الشهيد التي تريد معرفة الحقيقة، وخاصة طبيعة التحول والوضع الذي أصبح عليه المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ خصوصا فيما يتعلق بالإشكالات المرتبطة بتطبيق السياسة الجنائية، وما يتطلبه هذا التطبيق من إعمال لمقتضيات الملاءمة، وكيفية مراقبة تطبيق هذه السياسة من طرف البرلمان تفعيلا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، بما في ذلك استحضار التوجه الذي أصبح يتبلور أمميا بخصوص تطوير مبدأ المساءلة القضائية تساوقا مع مبدأ استقلالية القضاء.

ولا شك أن حجم هذه التساؤل يجد مبرره، كون رئيس الحكومة السابق لم يتعايش حتى مع مطلبه الداعي إلى تنزيل مشروع إصلاح منظومة العدالة الذي كان يروج له وزير العدل السابق السيد الرميد، مما يثير الكثير من التخوفات والتوجسات لدى المراقبين والمهتمين وعموم المواطنين من احتمال انحراف استقلالية القضاء وتسفيه قراراته، كالتي قال عنها الرميد بأنها خرقاء، أو بتصريحات بنكيران المثيرة "لن نسلم لكم أخانا".. إنها التصريحات الذي تجعل  قيادة الحزب في تحدٍ مستفز للعدالة ودولة الحق والقانون، وتجسد هذا عمليا من خلال تزعم فريق رفيع المستوى للحزب من أجل دعم المتهم في قتل الشهيد بنعيسى. من هنا نقول للسيد بنكيران وجوقته: إذا كان حزب العدالة والتنمية مع استقلال السلطة القضائية ينبغي احترام القضاء، وترك هذا الأخير يقوم بعمله ومهامه بحرية واستقلالية ونزاهة، مهما كان الشخص المطلوب للعدالة، لأنه لا أحد فوق القانون داخل دولة المؤسسات، ويكفي أن ننتبه ونتبع ما يقع في الدول الديمقراطية المؤمنة بالعدالة فرنسا نمودجا، ورغم ذلك يحترمون القضاء ولا يعرقلون دور السلطة القضائية. وهو ما يستدعي تقديم المزيد من الضمانات القانونية اللازمة لطمأنة المرتفقين على مستقبل العدالة في بلادنا.

ـ عودة إلى ملف آيت الجيد:

لم يكن آيت الجيد بوجهه البشوش عاشقا للعنف، كان جسمه النحيف وقلبه الكبير يتسع للاختلاف والحوار والجدل ، كان يتواجد في كل ممر ومنعطف في فضاء ظهر المهراز، باسما ومحاورا، كان آيت الجيد يقلق راحة القتلة، فتربصوا به من أجل الإجهاز على روحه وقلبه، لا شيء يقلق النكوصيين أكثر من فكر متنور وجاد. اغتيل بنعيسى بطريقة وحشية في طريقه إلى مسكنه رفقة رفيقه الخديوي الخمار الشاهد الوحيد في واضحة النهار، وهو يستلقي سيارة أجرة في حي سيدي ابراهيم بفاس.. قُتل غدرا، لكن روحه تسكن محبيه ورفاقه وعائلته وذويه. إن قضية بنعيسى ستساهم في حفظ الذاكرة وكشف الحقيقة التي من أجلها اغتيل هذا المسالم، وقبله المعطي بوملي بالمغرب، وفرج فودة بمصر، وشكري بلعيد والحاج محمد الإبراهيمي بتونس.... لابد أن نعمل على فضح القتلة أينما كانوا، من خلال خلق فضاء معرفي حر ومبدع لنقاش قضايا التجديد والإصلاح الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، والعمل على تحقيق رؤية إنسانية للدين منفتحة على آفاق العلم والمعرفة ومكتسبات الإنسان الحضارية، والتفكير في وضع أسس  تيار فكري يؤمن بأهلية الإنسان وقدرته على الخلق والإبداع والجواب على واقعه خارج يقينيات إيديولوجية أو عقائدية، حيث يكون العنف وسيلة وهدفا مدمرا.

من هنا تبدو الحاجة إلى تفكير جديد، إنه السؤال الذي نطرحه على باحثين ومختصين لمناقشة ظاهرة العنف الديني القاتل وتفكيك أبعاده. من خلال تحويل مخاطر العنف والإرهاب ومواجهتها بروح التفكير العقلاني الجديد الذي يحول القتل إلى حياة بالمعنى السامي النبيل للكلمة.. فالإنسان أوسع من أن تُختصَر كينونته في دينٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو عرق، وأن كرامته وسعادته تكمن في احترام حريته في التفكير والتعبير والاعتقاد.

ـ لابد من حوار وطني ضد التطرف:

حالة الذهول والصدمة تجاه الجريمة الوحشية التي ارتكبت في حق السائحتين الاسكندنافيتين، في منطقة الحوز لازالت تداعياتها ووقعها على الشعب المغربي، لكن السؤال هو: إذا كان الكثيرون قد عبروا علانية عن رفض الإرهاب، هناك من اختبأ وراء لغة عامة قصد البحث عن مسوغات أخرى.. هذا يعني أيضا هناك من لم يتمكن من إحداث قطيعة مع ثقافة التكفير والإنزال التي كان ضحيتها آيت الجيد وعمر بن جلون وغيرهما من الشهداء، من خلال وجود جمعيات ودعاة وقنوات الجهل وشبكات التواصل المتخصصة في الاستقطاب للتطرف الديني.

ما يروج له الفكر المتطرف، ليس غريبا عن الإيديولوجية الدينية السائدة، لأنه ينطلق من نفس المرجعيات التراثية، بنفس المنهجية التي تقدس النصوص، حتى الوضعية منها، وتُكٓفّرُ أية مراجعة نقدية، رغم اختلاف القراءات، بين متشددين ووسطيين، لكن ليست هناك قطيعة نهائية، فكرية، بين هذا وذاك. لا يمكن أن نستغرب إذن من التحول "المفاجئ"، الذي يحدث لأشخاص، ينتقلون فيه بسلاسة إلى التطرّف الديني.

ما حدث في الحوز، وما حدث في فاس سابقا ووجدة، ليس سوى موجة التطرف، إذ هناك جمعيات ومؤسسات، رسيمة وغير رسيمة، ودعاة ووسائل تواصل، كلها تنشر الفكر الذي يستمد منه التطرّف مرجعياته وخلفياته، ويبلورها بشكل أكثر وضوحا وعنفاً، معنويا وماديا، وعلينا إن نتحلى بالشجاعة والجرأة، لنواجه هذا الواقع، ونفتح نقاشاً وحوارا وطنيا حول التطرّف الديني، داخل وسائل الإعلام والمؤسسات  التعليمية والدستورية وعلى رأسها البرلمان .

من هنا فالعمل الذي ينتظر المجتمع هو القيام برجة  ثقافية، وأن ينخرط فيها  كل الذين يشتغلون من أجل وطن يتسع للجميع، بمراجعة جذرية لكل ما يحث على الكراهية والعنف في تراثنا، فلا مجال للتستر عليه بحجة أو بأخرى، المستفيدون الوحيدون منه هم تجار الدين والموت. وهذا بطبيعة الحال يمر أساسا عبر تجفيف منابع التطرف الديني، الممتدة من أوكار القراءات المغلقة للمقدس، والتي تتجلى أحيانا في بعض المؤسسات السياسية - الدينية التي تأخذ أكثر من شكل مستتر للتعبير عن نواياها.

- عبد الغني السلماني، كاتب وناقد