الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: ملاءمة الأداء الإعلامي مع تحولات اهتمامات الرأي العام لاستعادة مركزية القضية الفلسطينية

جمال المحافظ: ملاءمة الأداء الإعلامي مع تحولات اهتمامات الرأي العام لاستعادة مركزية القضية الفلسطينية جمال المحافظ

احتضنت إسطنبول التركية، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي (السبت والأحد)، فعاليات الدورة الثالثة من منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال التي تدارس المشاركون خلالها عددا من المواضيع والقضايا رصدت بالخصوص رسائل الخطاب العالمي حول فلسطين والسبل الكفيلة بتعزيز حضور القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام الدولية فضلا عن البحث عن أليات فعالة للتواصل بين الصحافيين ونشطاء حقوق الانسان من كافة أنحاء العالم.

ليس الهدف من هذه المقالة، الحديث عن وقائع وتوصيات هذه التظاهرة الهامة التي انعقدت تحت شعار: "فلسطين تخاطب العالم" وذلك بمشاركة صحافيين وإعلاميين ومثقفين بعدد من بلدان العالم، وإنما مساءلة الأداء الإعلامي حول القضية الفلسطينية وآفاق تطويره بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها الرأي العام الدولي، والاستفادة من الثورة الرقمية التي جعلت الإعلام يتحول من سلطة رابعة إلى سلطة أولى، وإن كان بمفاهيم ووظائف جديدة.

فعلى الرغم من محاولات سلطات الاحتلال الاسرائيلي وممارساتها القمعية تجاه الصحافيين فلسطينيين والمراسلين الأجانب بالأراضي المحتلة للحيلولة، دون نقل جرائم القوات العسكرية اليومية بالأراضي المحتلة، والتي لم يسلم منها مؤخرا وفد الاتحاد الدولي للصحفيين، فإن القضية الفلسطينية مازالت حاضرة في وجدان الشعوب العربية والبلدان المحبة للسلام .

إلا أن الملاحظ أن هذا الحضور، لم يعد بنفس المستوى السابق لعوامل متعددة منها ما يرجع لأسباب ذاتية منها غياب استراتيجية إعلامية فلسطينية موحدة وفاعلة ومستقلة، وتأثير الانقسام الفلسطيني على الإعلام، وهو ما ساهم بشكل سلبى على تعاطي وسائل الإعلام العربية والدولية مع القضية الفلسطينية، علاوة على أن الشأن الداخلي للدول، أضحى يتصدر اهتمامات وسائل الاعلام المحلية، خاصة بعد التداعيات المترتبة عن الربيع العربي. فتراجع منسوب حضور القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام، لا يرتبط بدواعي ذاتية كما ذكرنا سابقا، ولكن هناك أسباب موضوعية منها متغيرات السياسة الدولية، والتي يطول هنا شرحها، ومنها فضلا عن تحديات التشرذم العربي، والانقسام الفلسطيني، والانحياز الأمريكي في ظل رئاسة ترامب لتل أبيب، يضاف إلى ذلك للغطرسة الإسرائيلية الصهيونية في الأراضي المحتلة.

ففي ظل هكذا وضع، فإن الخطاب الصحفي العربي المتداول في وسائل الإعلام التقليدية وبالإعلام الجديد أيضا، لم يتمكن لحد الآن بما فيه الكفاية، "لكي لا نقول بأنه فشل"، مواجهة الصور النمطية للقضية الفلسطينية خاصة في الإعلام الغربي، وتقديم المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، في ظل الاحتلال والقمع الإسرائيلي، بحرفية ومهنية.

وهذا ما يجعل الإعلام العربي محتاجا في ظل المتغيرات الدولية، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجديد خطابه وتحديث رسائله المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وذلك بالقطع مع الأسئلة التقليدية، التي تتم في ظل واقع جديد ومتغير، زادته الثورة التكنولوجية الرقمية، تعقيدا، وإثارة، فاقت كل التوقعات.

وإذا كان من البديهي التأكيد على دور الإعلام في تشكيل الرأي العام وقدرته على التأثير في مستقبلي رسائله، وكمثال على ذلك إسهامه الفعال في اندلاع ثورات "الربيع العربي" من أجل التحرر من "الدكتاتوريات وإحلال الديمقراطية"، وكلها عوامل ساهمت إلى جانب أخرى في تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية ثانوية في اهتمامات الإعلام العربي الذي انتقل إلى الانشغال بقضايا بلدانه المحلية القطرية، ولم تعد بالتالي قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، مسألة مركزية، إذ أن غالبية الإعلام الرسمي العربي، يقدم القضية الفلسطينية كنزاع حدود، بدل صراع حدود وحقوق.

إن هذه التحولات تضع على عاتق الاعلاميين مهام الانتباه الجيد، في عملهم إلى أن اهتمامات الرأي العام تغيرت، ليس فقط على المستوى الدولي، ولكن على المستوى العربي أيضا، وهو ما يتطلب الاستيعاب العقلاني لهذه المتغيرات، والانخراط الواعي في هذه التحولات والانشغالات، والاستفادة من المرحلة الراهنة التي تمر منها القضية الفلسطينية بسبب السياسات الأمريكية في ظل رئاسة ترامب، والتي ساهمت إلى حد ما في تعاطف الرأي العام الدولي معها، وهو ما يتطلب من وسائل الإعلام العربية والمتعاطفين معها بالغرب، تقديم قصص انسانية فلسطينية تخاطب الوجدان والضمير العالمي بمهنية.

وانطلاقا من المعطيات المتوفرة، فإن الدعاية الإسرائيلية مكنت تل أبيب في استمالة وتدجين معظم الإعلام الغربي خاصة الأمريكي لفائدة توجهاتها مصالحها، وهو الأمر الذى يتجاوز تعامل الإعلام العربي العاطفي مع القضية الفلسطينية، بل يقتضى البحث عن السبل التي تمكن من أن تعود القضية الفلسطينية، لتشكل مرة أخرى أولوية في اهتمامات الإعلام، وإعادة النظر في أساليب المعالجة الإعلامية لهذه القضية، بأساليب تتسلح بالمعرفة الدقيقة لميولات متلقى الرسائل التي تؤثر على توجهات الرأي العام، وذلك عبر كشف الممارسات العنصرية الإسرائيلية باحترافية، فضلا عن المساهمة في تجاوز العوامل التي أدت إلى جعل القضية الفلسطينية.

ويأتي في مقدمة ذلك تحديث الخطاب الإعلامي، والاستفادة من التكنولوجيات الحديثة، خاصة منها الصورة الصحفية، في إيصال خطابنا إلى الرأي العام الدولي، لأن المعركة تحولت من معركة سياسية مع الاحتلال الإسرائيلي، إلى معركة الصورة بامتياز، مما يتطلب ملاءمة الأداء الإعلامي العربي مع تحولات اهتمامات الرأي العام لاستعادة مركزية القضية الفلسطينية.

- جمال المحافظ، كاتب صحفي