الأربعاء 19 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

أحمد بلمختار منيرة: مرة أخرى.. في الحاجة إلى فكر الجابري والعروي والخطيبي

أحمد بلمختار منيرة: مرة أخرى.. في الحاجة إلى فكر الجابري والعروي والخطيبي أحمد بلمختار منيرة

 ليس من باب جلد الذات القول إننا مازلنا نحن العرب المسلمين، نجتر التخلف عن ركب صناع العولمة الذين يستعدون لولوج مرحلة "ما بعد العولمة" التي يلمح إليها بعض الخبراء الدوليين. ولا شك أن الخطوة الأولى  في سبيل الانعتاق  من هذا التخلف، تتمثل  في ما أكده رواد سابقون دعوا إلى اعتماد القراءة المعقلنة في تاريخنا.

بهذا الصدد، دعنا نلامس معا -دون ادعاء بامتلاك حقيقة الفهم- منظور الرواد الثلاثة: الجابري والعروي والخطيبي، للماضي/ للتاريخ. ثم نلامس ما يجمعهم بهذا الصدد، لفهم الحاضر وتحديد الاتجاه الصحيح للمستقبل.

يدعو المؤرخ عبد الله العروي، الذي يستند بشكل أساسي إلى "المنهج التاريخاني"، بصراحة، للعودة إلى الماضي وقراءته بشكل موضوعي لفهم الحاضر.

وفي مقاله المتميز بأحد أعداد مجلة "أفكار" المغربية، ذهب محمد بنيونس (أستاذ باحث في الفلسفة الإسلامية) إلى أن الجابري ينطلق من خلفية إيديولوجية تاريخية يصرح بها، ومنهجية إبستمولوجية نقدية، في التأسيس لمشروع يقوم على مطلب إعادة كتابة تاريخ الفكر العربي الإسلامي نظرا للتداخل الحاصل في حقبه من حيث الزمان والمكان، لإيجاد إطار مرجعي يشكل سندا لكل محاولة في إعادة قراءة الثقافة العربية ومراجعتها بكيفية نقدية موضوعية، وذلك من خلال تيمة مركزية تقوم على وحدة الموضوع، أي العقل العربي.

والنقد عند الجابري، حسب الباحث نفسه، ليس مطلوبا من أجل ذاته، وإنما هو مشروع هدفه تحرير العقل العربي من قيوده وبث الحياة فيه. وفي ذلك يقول (رحمه الله): "فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي، والهدف: فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها... ولعلها تفعل ذلك".

ومن ضمن المقولات الافتتاحية التي اختارها أيوب يوسف (باحث في الفلسفة)، وهو يقدم دراسته حول "نحن والتراث" للمفكر الجابري، مقولة السوسيولوجي الخطيبي: "لكي نقطع الصلة مع التراث يجب أن نعرفه جيدا كما يجب أن نكون قد أحببناه وتشبعنا به".

إن قراءة متمعنة فيما تقدم من أفكار الرواد الثلاثة توحي بتكاملهم الفكري. وبالتالي تجعلنا نستشف بعض المشترك بينهم:

- دعوتهم الصريحة إلى إعادة قراءة الماضي/ التاريخ بناء على أسس علمية موضوعية وبروح نقدية، للتمكن من فهم الحاضر.

- دعوتهم إلى الاتجاه نحو المستقبل، اعتمادا على العلم/ العقل.

- تأكيدهم على أنه إذا عرفنا جيدا تراثنا وأحببناه وتشبعنا به  -كما هو حال اليابانيين والصينيين...- يصبح حاضرا باستمرار في ذواتنا وسلوكاتنا وثقافتنا. ويصبح جزءا لا يتجزأ منا.

إن القراءة الجيدة للتاريخ والتراث، تبعث الثقة بالنفس التي يجسدها الاعتراف بالأخطاء، و"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، كما جاء في الحديث النبوي.

أجدني ممن يعتقدون أن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الأحداث والوقائع، بل هو ترجمة حقيقية لحياة الشعوب وتطورها الحضاري. ومن تم فالإجابة على مجموعة من الأسئلة المركزية منها: ما موقعنا في عالم يتغير من حولنا باستمرار وفق مصالح صناعه؟ تتطلب القراءة الموضوعية النقدية للماضي والحاضر لتحقيق مستقبل أفضل. وإذا كان في الاختلاف رحمة، فالخوف أن يؤدي الاختلاف إلى الإقصاء الفكري والتعصب وتبعاته.

الخلاصة، يبدو أن "نظاما عالميا جديدا" في طور التشكل. لذلك ما أحوجنا اليوم إلى مدرسة العقل، لتجاوز المشكلات والتحديات الصعبة التي سيواجهها الإنسان العربي المسلم في السنوات القادمة، بل بدأ يواجهها وهو في أسوأ مراحله التاريخية المعاصرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا...

إننا إذا لم نصنع مستقبلنا من خلال التسلح بالنظرة الاستشرافية الحية، والتصورات العقلانية، والتصالح بين دول الجوار، والتكتلات الاقتصادية القوية بين الدول العربية والإسلامية وتوسيع نطاقها ليشمل الدول الافريقية...، فإن القوى العظمى ستصنعه لنا وفق مصالحها الاستراتيجية.

- أحمد بلمختار منيرة/ إعلامي وباحث