الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

سعيد شكاك: قراءة في الخطاب الملكي للذكرى 43 للمسيرة الخضراء

سعيد شكاك: قراءة في الخطاب الملكي للذكرى 43 للمسيرة الخضراء سعيد شكاك

يتماشى خطاب الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء مع روح العصر، ويحمل في طياته حمولات سياسية واقتصادية واجتماعية بلغة سلسلة وواضحة يفهمها كل المواطنين بالمغرب.

وتجسد ذكرى المسيرة الخضراء إيمان الشعب المغربي بحقه المشروع في استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والتزامه القوي بالتضحية في سبيل الدفاع عنها. هي نهج راسخ ومتواصل يقوم على الإجماع الوطني، والتعبئة الشاملة، من أجل النهوض بالتنمية المندمجة، وصيانة الوحدة والأمن والاستقرار.

وقد شكل الخطاب الأخير للمسيرة الخضراء المظفرة منعطفا حاسما وضع بموجبه المغرب الجارة الجزائر في وضع محرج بعدما دعاها إلى حوار مباشر وصريح مبني على الثقة وصدق النوايا والوضوح والطموح فيما يخص جميع القضايا العالقة بين البلدين الشقيقين وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

خاصة أن شعوب المغرب العربي تربطهم أواصر الأخوة، ووحدة الدين واللغة، والتاريخ والمصير المشترك. فهذا الواقع حسب الخطاب الملكي لا يتماشى مع الطموح الذي كان يحفز جيل التحرير الاستقلال إلى تحقيق الوحدة المغاربية، والذي جسده، مؤتمر طنجة سنة 1958.

وأشار الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الخضراء أن موقف المملكة المغربية كان مساندا للثورة الجزائرية في توطيد العلاقات بين العرش المغربي والمقاومة الجزائرية، وأسس للوعي والعمل السياسي المغاربي المشترك. علاوة على القواسم المشتركة بين البلدين حيث قال الملك محمد السادس موجها خطابه للجزائر الشقيقة "أننا قاومنا الاستعمار معا، لسنوات طويلة حتى الحصول على الاستقلال، ونعرف بعضنا جيدا. وكثيرة هي الأسر المغربية والجزائرية التي تربطها أواصر الدم والقرابة. كما ندرك أن مصالح شعوبنا هي في الوحدة والتكامل والاندماج، دون الحاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة بيننا".

واعترف الملك أن وضع العلاقات بين البلدين غير طبيعي وغير مقبول. مما يستدعي بكل وضوح ومسؤولية فتح حوار مباشر بين الجزائر والمغرب، حيث أن هذا الأخير مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين.

ولهذه الغاية، اقترح الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الخضراء الأخير على الجزائر إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها.

فالمغرب مستعد دائما للتفاوض حول مشروعه وحول اقتراحه ومستعد لتطبيق ما سيسفر عنه التفاوض من اتفاق.  لكن الجزائر للأسف هي اليوم الطرف الذي يجب عليه أن ينظر إلى هذا المقترح بنظرة تراعي مصالح شعوب المغرب العربي المستقبلية التي تأمل كما ورد في الخطاب الملكي أن تدرك الجارة الشقيقة أنه لابد من الفصل بين النزاع الإقليمي الموجود في الصحراء المغربية وبين المطلب الذي يشغل اليوم الشعبين المغربي والجزائري من أن تطور علاقاتهما الثنائية بفتح الحدود بين البلدين.لأن فتح هذه الأخيرة وتطبيع العلاقات هو مطلب شعبي في المغرب وفي الجزائر لذلك يجب على الدولتين أن تنصتا إلى شعوبها عندما تطالب بهذا الأمر.

فمشكل الصحراء مشكل للجزائر مع المغرب، حيث لا يمكن للجزائر أن تعيش في سلم مع المغرب في علاقات طبيعية. تمكن الجزائريين من الدخول إلى المغرب بطريقة عادية ويرون ويكتشفون تطور المغرب عوض الصورة السيئة التي كانت تروج. هناك نخبة في الجيش هي التي تسير البلاد في أجندتها تدبير التوتر بالمغرب. فالجزائريون إخواننا والعلاقات الودية بين الشعبين معروفة للجميع. كما أن المغرب مسالم بالدفع نحو الخير.

وأكد الخطاب الملكي على إنشاء آلية لمعالجة الأزمة بين البلدين في إطار الحوار والتشاور المشترك   لأن المغرب منفتح على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين.

وتتمثل مهمة هذه الآلية في الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة، بكل صراحة وموضوعية، وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات. يمكن أن تشكل إطارا عمليا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية، وخاصة فيما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية. كما ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما فيما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة.

وأشار الخطاب الملكي أن المغرب يتعاون بصدق مع السيد الأمين العام للأمم المتحدة. بدعم مجهودات مبعوثه الشخصي قصد إرساء مسار سياسي جاد وذي مصداقية. كما تعكسه أيضا، المبادرات البناءة، والتجاوب الإيجابي للمغرب، مع مختلف النداءات الدولية، لتقديم مقترحات عملية، كفيلة بإيجاد حل سياسي دائم، على أساس الواقعية وروح التوافق، وفي إطار مبادرة الحكم الذاتي الذي استنبته الملك محمد السادس في مناخ حوار بين الأحزاب السياسية وبين كل التعبيرات الموجودة في الصحراء المغربية. وهو ما يمثل إجماع الأمة المغربية على هذه المبادرة.

ويبقى المغرب مقتنعا بضرورة أن تستفيد الجهود الحثيثة للأمم المتحدة، في إطار الدينامية الجديدة، من دروس وتجارب الماضي، وأن تتفادى المعيقات والنواقص التي شابت مسار "مانهاست". كما أشار الخطاب الملكي إلى أن المغرب يواصل العمل من أجل وضع حد لسياسة الريع والامتيازات، ويرفض كل أشكال الابتزاز أو الاتجار بقضية الوحدة الترابية للمملكة على المستوى الداخلي. كما لا يدخر أي جهد في سبيل النهوض بتنمية أقاليمه الجنوبية، في إطار النموذج التنموي الجديد، حتى تستعيد الصحراء المغربية دورها التاريخي، كصلة وصل رائدة بين المغرب وعمقه الجغرافي والتاريخي الإفريقي.

وبموازاة ذلك، فإن تنزيل الجهوية المتقدمة يساهم في انبثاق نخبة سياسية حقيقية تمثل ديمقراطيا وفعليا، سكان الصحراء، وتمكنهم من حقهم في التدبير الذاتي لشؤونهم المحلية، وتحقق التنمية المندمجة، في مناخ من الحرية والاستقرار.

وأوضح الملك محمد السادس رجوع المغرب إلى أسرته الإفريقية لم يكن فقط بهدف الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، والتي تتقاسم معظم الدول الإفريقية موقفه بشأنها. إنما هو نابع أيضا من اعتزاز المغرب بانتمائه للقارة، والتزامه بالانخراط في الدينامية التنموية التي تعرفها، والمساهمة في رفع مختلف التحديات التي تواجهها، دون التفريط في حقوقه المشروعة ومصالحه العليا.

وفي إطار التعاون الدولي أشار الخطاب الملكي إلى أن المغرب سيعمل على الاستثمار في شراكات اقتصادية ناجعة ومنتجة للثروة، مع مختلف الدول والتجمعات الاقتصادية، بما فيها الاتحاد الأوروبي. إلا أنه لن يقبل المغرب بأي شراكة تمس بوحدته الترابية. على أن تعود فوائد هذه الشراكات بالنفع المباشر، أولا وقبل كل شيء، على ساكنة الصحراء المغربية، وأن تؤثر إيجابيا في تحسين ظروف عيشهم، في ظل الحرية والكرامة داخل وطنهم.

ترتيبا عما سبق نرى أنه يتعين على النخب الفكرية والأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام العمومية ووسائل التواصل الاجتماعي باعتبارهم قدرة ترافعية مهمة للدفاع عن القضايا الأساسية للمغرب، وباعتبار موقعهم وتأثيرهم الوطني والدولي، لم يعد دورهم محصورا في نقل الحدث عن قضية الصحراء المغربية بل يتعداه إلى مواجهة الأكاذيب والمغالطات وافتراءات أعداء الوحدة الترابية للمغرب من خلال الحقائق التاريخية والدلائل العلمية المادية الملموسة والحجج الدامغة.

علاوة على الدعوة إلى تفعيل دور الدبلوماسية الإعلامية في مختلف المحطات والمناسبات الوطنية والدولية، مع العمل على إشراك مختلف الفاعلين المحليين المعنيين مباشرة بقضية الصحراء. بالإضافة إلى توسيع الاهتمام بقضية الصحراء المغربية الانفتاح على مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية للترافع بشأنها في مختلف القضايا.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الوطنية داعما أساسيا لقضية الصحراء ولاعبا محوريا في الرد على الادعاءات المغرضة التي تمس سيادة المغرب على صحرائه. كما أن المواطن المغربي أصبح على دراية بكل المستجدات التي تحدث على أرضه دونما اللجوء إلى القنوات الأجنبية.

في نفس السياق يتعين على المغرب الرفع من قدرات الإعلام الجهوي بالصحراء المغربية الذي يعبر عن تطلعات وآمال المواطن، في إطار التنوع الثقافي للمغرب وسياسة القرب، وتفعيل التقسيم الجهوي الموسع الذي تم إحداثه بإرادة ملكية وشعبية، وذلك باستثمار المحيط الجديد في التعاطي مع القضايا المحلية والجهوية بمهنية عالية، والاستفادة من مساحة الحرية المتاحة للحد من الرقابة المركزية، والتناول النقدي البناء بهدف معالجة القضايا ذات الارتباط المباشر بقضايا المجتمع بشكل هادف وعقلاني. وفي هذا الإطار نجد تجربة قناة العيون الجهوية التي تدعم التعددية والديمقراطية في المغرب وتؤطر بشكل واضح لواقع الجهوية المتقدمة التي يطمح المغرب الى تثبيتها والتأسيس لها بشكل متين، كما أن هذه الخطوة الإعلامية تعد صفعة موجهة إلى أعداء الوحدة الترابية من خلال جعلها تجربة اعلامية تبرز الواقع السياسي الاجتماعي والثقافي المغربي المتعدد، فإلى جانب كونها القناة الجهوية الأولى بالمغرب فهي تتميز بكونها موجهة لكل الناطقين بالحسانية داخل التراب الوطني وخارجه خصوصا مواطني الجمهورية الموريطانية.

علاوة على الاعتماد على الإعلام التنموي للأقاليم الجنوبية الذي من المصطلحات الحديثة التي فرضها التوجه الدولي لتنمية المجتمعات ضمن أساليب وخطط مرسومة تتطلب جهودا مشتركة لجميع أفراد المجتمع، وتتطلب أيضا، تنمية قدرات ومهارات ومبادرات المجتمع المحلي، ومساعدته على تكييف أساليبه مع متطلبات التطور التكنولوجي الوافد عليه من خارج بيئته. فالإعلام التنموي وسيلة ضمن أخرى لتهيئة المناخ يكون غالبا من طلائع خطة التنمية؛ لأن مهمته الأساسية أن يهيئ النفوس والأفكار للعمل التنموي، وأن ينقل الخبرة والمهارات التي تساعد على تنفيذ خطة العمل التنموي، وأن يحارب السلبيات والعادات التي خطط التنمية. كما يقوم الإعلام التنموي بدور توصيل المعرفة وتنمية المهارات، ودعم عامل الحس بالمشاركة الجماعية، وتحجيم الخلافات ودعم حس التعاون وطرح الحقائق بموضوعية وصدق بعيد عن كل تضليل أو تزييف. ومن ثمة وجب على وسائل الإعلام الاتصال أن تتجاوز دورها الإخباري والمعلوماتي والمعفي للقيام بأدوار أخرى لا تقل أهمية، كالمساهمة في التنمية المجتمعية من خلال إشراك الجمهور، وفتح الباب واسعا له في إبداء الرأي الحر في النقاشات المجتمعية والسياسية وتهيئة المواطن، ومواكبة المشاريع التنموية للبلد.

- سعيد شكاك، باحث في العلوم السياسية