الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد حمزة: تأملات في العلم والديمقراطية و المواطنة

محمد حمزة: تأملات في العلم والديمقراطية و المواطنة محمد حمزة، أستاد التعليم العالي بكلية العلوم ابن امسيك

القرن الماضي كان بحق قرن "النهضة" على جميع الأصعدة. علميا جل المفاهيم التي تساعد على رسم الكون أعيد تعريفها  كالفضاء، المادة، الزمن، والحتمية،.... العلم و الديمقراطية ازدادا توأمين أكثر من عشرين قرنا لتحرير الإنسانية من خوف الآلهة "ديمقريط" و "ليكريس" استغاثا بالذرات الأبدية. ويبقى غليلي رمز البحث الغير القابل للترويض عن الحقيقة العلمية بتجرئه بالقول مع "كوبرنيك" و "كبلر" بأن الشمس بدل الأرض هي مركز للكون داحضا بذلك "فيزياء" أرسطو وسيجد نفسه في مواجهة الكنيسة ومحاكم التفتيش التي أحرقت "جيردانو برينو" حيا.

و على خطى غليلي، فإن المعركة من أجل حرية النقاش العلمي هي التي صنعت العلم الحديث. و كان لابد من "هارفي" و "باسكال" و "نيوتن" و ما ينعتوا بالتجربيين لتكتشف الإنسانية كيف تسائل الطبيعة و فهم صياغة الأسئلة لإيجاد الأجوبة المؤقتة بدل التأملات أو الإيحالة على "السلط" .

العلم و الديمقراطية ازدادا توأمين و تقدما جنبا لجنب. العلم في حاجة حيوية للحرية لأنها هي الماهية نفسها لمعرفة إعادة النظر في يقينياته و تقويم طرق اشتغاله. والديمقراطية المعاصرة في حاجة أيضا للعلم لأن هذا الأخير هو التعبير الأكثر قوة و الأكثر سخاء لروح الإنسانية و يتأسس على المساواة التامة أمام الحقيقة، و يتجاهل الحدود اللغوية و الجنسية و الدينية  بين الدول، و يستبعد الغش و المساومات.. العلم مدرسة للصرامة و الصدق و التسامح.

الديمقراطية محتاجة للعلم لأنه قوي و فعال. و هما معا يشكلان البناء الأنبل لإنسانية تائهة داخل هذا الكون الشاسع. فإذا كان العلم عقلنة للنشاط الذهني الإنساني و اكتشافا للواقع القائم و ظواهره كموضوع، فإنه يؤسس لواقع ممكن و محتمل، أي البحث عن حقيقة نسبية.

العلماء يتحاشون الحديث عن الحقيقة لأنها مشحونة بالأوهام. فالأساسي ليس أن يكون خطابنا حقيقة بل أن يكون منسجما و صادقا و أصيلا.

العلم معرفة إنسانية تنمو باستمرار، ساهمت في تكوينها كل الأجناس و كل الشعوب، الآشوريون و البابليون (الكتابة)، المصريون القدامى (العمران و الطب)، الإغريق (الفلسفة و الرياضيات)، الرومان (الزراعة و الفنون و الهندسة)، المسلمون في المشرق و الغرب الإسلامي (الفلك، الرياضيات الطب، الملاحة)، الغرب (الميكانيك، الكهرباء، الفنون، العلوم الاجتماعية، الثورة الصناعية، الثورة المعلوماتية)، و ارتبط تطور العلم بتطور الحضارات و تطور المدنية.

الدولة المدنية تأسست على مركزية العلم الذي أصبح سلطة تساهم إلى جانب السلط الأخرى في توجيه المجتمع لأن المجتمعات الحداثية فيها استقلالية نسبية للحقول و الوظائف، أما المجتمعات ما قبل الحداثة فالتراتبية فيها شرعية و المجتمعات القرسطية وظيفتها زبونية.

إن انتقال مجتمعنا إلى مجتمع العلم و المواطنة يتطلب إسقاط منظومة القيم السائدة: النزوح نحو الرأي الوحيد، الاحتراز من الاختلاف، سمو الجماعة على الفرد، سيادة مفهوم الرعية، احتقار العمل، تبدير الزمن، تبدير المال العام و الخاص، توسيع فضاء المقدس ،سيادة العلاقة النفعية، قهر المرأة و الطفل، تهميش الأقليات، سيادة الفعل الموسمي و استراتيجيات الساعة... و مع منظومة القيم هاته، تبقى المحددات الثقافية الإيديولوجية هي أساس العلاقة مع الآخر. أما قيم المواطنة، فتقتضي أن تكون المصلحة الموضوعية هي أساس العلاقة مع الآخر. والمنشود هو احترام الاختلاف، ومسؤولية المواطن الفرد، و تثمين العمل كقيمة محررة، وصيانة الزمن كرأسمال، المساواة أمام القانون، العلاقات الاجتماعية تبنى على رابطة القانون و المصلحة العامة تعلوا على المصلحة الخاصة و تقليص فضاء المقدس وتوسيع المدني و التدبير العقلاني للمال، و سيادة رابطة القانون وإقرار الكرامة الإنسانية والمساواة في الحقوق والواجبات والانتصار لقيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، و المساواة بين الرجل و المرأة، و ضمان حقوق الطفل، و صيانة حقوق الأقليات، و تدبير و برمجة الفعل...