الاثنين 22 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ :الاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال لتنشيط الحوار الديمقراطي

جمال المحافظ :الاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال لتنشيط الحوار الديمقراطي د.جمال المحافظ
" الفوارق الاجتماعية والمجالية" عنوان " الموضوع الخاص" الذي تضمنه التقرير السنوي الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2017، افار فيه الانتباه بصفة خاصة الى ارتفاع مستوى الاحباط لدى الطبقات الشعبية والمحرومة والمهمشة شعور هذه الفئات الاجتماعية بالفوارق الصارخة مع فقدانها للثقة في المؤسسات وتزايد منسوبها لدى هذه الشريحة.
طول 20 صفحة، يكشف المجلس في تقريره الموضوعاتي في فصلين رئيسيين أولهما يستعرض" واقع حال الفوارق في المغرب" عبر تفكيك " الفوارق الاقتصادية" و" الفوارق الاجتماعية والفوارق بين النساء والرجال"، في حين يتضمن الفصل الثاني " الفوارق المجالية"، التي حددها التقرير في فوارق مجالية ذات طابع اقتصادي وأخرى مرتبطة بالمجال الاجتماعي, كما اعترف المجلس في نفس السياق بوجود " عوائق مؤسساتية وعملية كبيرة" يتعين رفعها للحد من هذه الفوارق المجالية.
وإذا كان المجلس قد تمكنمن تحديد مجالات التدخل التي يعتبرها ذات الأولوية مرفقة بتوصيات يقترحها للحد من هذه الفوارق، فإن ما يثير الانتباه، وهو ما جاء في الصفحة الثانية ب158 كلمة فقط، من هذا التقرير الخاص، حينما اعتبر التقرير، أن توسع مجال استعمال الفضاء الافتراضي يشكل عاملا ثانيا ساهم في تغير موقف وسلوك المواطنين، سيما الشباب، تجاه الفوارق وأشكال الحيف، ينضاف الى العامل الأول المرتبط بالتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع في الاخيرة.
وفى سياق يعرف مشاركة سياسية متواضعة، وتراجعا على مستوى الثقة في مؤسسات التأطير والوساطة، يعترف المجلس، بتزايد استغلال العالم الرقمي ب"اعتباره فضاء للتعبير الحر والنقاش حول مواضيع تهم المجتمع" ، سيما قضية الفوارق مشيرا إلى أن الانفتاح المتزايد على الانترنيت والشبكات الاجتماعية والصحافة الالكترونية ومختلف القنوات التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصال، قد يسر بشكل كبير عملية تحسيس المواطنين وتعبئة الرأي العام، في حين يرتبط العامل الثالث بعدم فعاليات آليات الارتقاء الاجتماعي بالنسبة لشرائح واسعة من السكان الذي ساهم في الرفض المتزايد للفوارق الاجتماعية والمجالية ، فضلا عن مشاكل الحكامة التي يرى المجلس أنها تساهم بدورها في استمرار الفوارق.
وفي الاتجاه نفسه، يخلص التقرير الي أن الولوج الى هذه التكنولوجيات يمكن المواطنين من اجراء مقارنات بين مستويات عيشهم ومستوى عيش فئات أخرى من المجتمع. وهي مقارنات- يعتبرها المجلس- تجرى بالخصوص بين شرائح اجتماعية مختلفة وبين جهات وأوساط مختلفة، وبين جهات وأوساط إقامة مختلفة، وبين الجنسين- التمييز ضد النساء- ناهيك أن هذه المقارنات تجرى أيضا حيال ظروف العيش في الخارج.
وعلى الرغم من أن التقرير الموضوعاتي، لم يخصص سوى 158 كلمة فقط للإشارة الي أهمية الثورة الرقمية في تنامى وعي الرأي العام، فإنها شكلت رسالة واضحة الي من يهمهم الأمر، الي ايلاء المزيد من الاهتمام لوسائط الاتصال من صحافة ورقية واعلام الالكتروني ورقمي ووسائط الاتصال الاجتماعي. لكن هذه العناية والاهتمام يتعين أن يكون في اتجاه توسيع هوامش حرية التعبير، بعيدا عن أي نظرة ترمى الى ابتداع أساليب للتحكم والمراقبة، في وقت يتطلب الأمر ضمان شروط ممارسة الحرية والمسؤولية التي لن توفرها القوانين المتشددة التلويح أو تسليط مقصلة القانون الجنائي و إيثار المقاربة الامنية في التعامل مع القضايا المرتبطة بحري التعبير والصحافة والرأي.
وإن كان من الإيجابي، أن يتوفق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تحديد مجالات التدخل ذات الأولوية ويقدم توصيات للحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، فانه كان سيكون مفيداأيضا، أن يقترح مقاربات كفيلة بتغيير النظرة النمطية السائدة لدي مختلف الفاعلين،للعالم الافتراضي والمبحرين فيه،عبر ادراج التواصل الرقمي، في مناهج التعليم منذ مراحله الأولى،والاستفادة من التقنيات التكنولوجية الحديثة التي ساهمت بشكل كبير في تغيير العلاقات القائمة بين المواطن والمتعاطين مع تدبير الشأن العام والمشهدالسياسيوالاجتماعي والثقافي.
كما أن الامر يتطلب من هؤلاء الفاعلين، الاستفادة من البيئة الملائمة التي تقدمها تكنولوجيات الإعلام والاتصالوذلك بهدف الارتقاء بمستوى النقاش وتنشيط الحوار بين كافة الاطراف مهما كانت مسؤولياتهم ومواقعهم، فضلا عن المبادرة الي اتخاذ الخطوات الكفيلة بمصالحة الجمهور مع وسائل اعلامه العمومية والخاصة على حد سواء، وذلك في ظل ما شهدته خلال العقد ين الاخيرين من تطور هائل، في ميدان التكنولوجيا والتقنيات الرقمية، التي غزتكافة القطاعات ومناحي الحياة، وساهمت أيضا في تغيير عاداتنا وعلاقاتنا بالإعلام، والتأثير في معرفتنا وفي حياتنا المهنية وطرق ترفيهنا. كما أصبحت تلك الوسائل والتقنيات تمس الحميمية والهوية الشخصية، وتغير من محيط شبكاتنا الاجتماعية، كما جاء في كتاب"?Culturelle; Révolution NumériqueRévolution الثورة الرقمية، ثورة ثقافية " للمؤلف الفرنسي Remy Rieffelريمى ريفيل.
وتظل التوصيات التي اقترحها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره للحد من الفوارقالاجتماعية والمجالية التي أصبحت، وفق تصوره، تشكل أكثر من أي وقت مضى تحديا كبيرا، هامة. وتتعلق بصفة عامة بتعزيز الحكامة من أجل استعادة ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات والسياسات العمومية على الحد من حجم الفوارق الاجتماعية،واعطاء نقس جديد للارتقاء الاجتماعي عن طريق تعليم حديث، ذي جودة ومتاح للجميع ، فضلا عن اعتماد منظومة أكثر انصافا وأكثر تضامنا لإعادة التوزيع والحماية الاجتماعية، وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، علاوة على تقليص الفوارق المجالية عبر تحسين الحكامة والديمقراطية المحليتين، وتعزيز التضامن المجالي وتعزيز قدرات المنظومة الاحصائية الوطنية في مجال تقييم الفوارق على مستوى الدخل والثروة.
                                                                 - جمال المحافظ ،كاتب صحفي