الجمعة 19 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

سعيد جعفر:هل نحتاج مدرسة مدنية أم مدرسة دينية؟

سعيد جعفر:هل نحتاج مدرسة مدنية أم مدرسة دينية؟ د.سعيد جعفر
تقديري أنه أصبح من الضروري طرح هذا السؤال الحساس والحارق..فالمدرسة هي المستقبل، وبالتالي لا بد من تخليصها من إيديولوجية الدولة ومن عقيدة الدولة.
وأمام حالة الفشل الكبرى التي تمس النموذج القيمي والنموذج التنموي أصبح من الضروري العودة لإصلاح المدرسة، وبالضبط إصلاح فلسفة المدرسة.
كانت الغاية من إحداث التعليم الديني و تعريب التعليم بالضبط هو تكوين الشخصية الوطنية المتسلحة بالهوية الإسلامية الوسطية والمعتدلة.
هل تحقق الرهان؟ نعم قبل أن يعرف المجتمع المغربي تحولات متسارعة تجاوزت سرعتها قدرة التعريب و التعليم الديني على تحقيق الشخصية الوطنية المتسلحة بالهوية الدينية الوسطية والمعتدلة.
يقترب المجتمع من حالة إفلاس قيمي بدون شك، بل ويقترب اليوم من حالة إحباط واسعة. ويؤكد الملك أعلى سلطة بالبلاد فشل النموذج التنموي و أزمة التعليم و القيم.
عدد المتمدرسين بالتعليم الجامعي هو 900 ألف، وعدد المتدربين بالتكوين المهني هو 593 ألف متدرب، وعدد التلاميذ بالتعليم العتيق هو تقريبا 500 ألف تلميذ دون احتساب تلامذة التعليم الأصيل.
هناك إذن مشكل حقيقي، فعدد التقنيين والتقنيين المتخصصين في كل التخصصات التقنية التي يحتاجها القطاع الخاص من صناعة وخدمات وتجارة وأبناك وعلوم فلاحة وغيرها، هو تقريبا نفس عدد خريجي العلوم الدينية الذين سيكونون خطباء وأئمة و مؤذنين و قيمين دينيين.
و سيكون نصف عدد خريجي كليات الطب والهندسة و الاقتصاد والحقوق و التجارة وغيرها من أطباء ومهندسين و خبراء محاسبات و محامين وقضاة...
إن هذا الاستثمار الأقرب للأمني والوقائي في موظفين للتوجيه الديني بنفس مستوى الاستثمار في مهندسين و تقنيين لإنتاج الثروة مخاطرة تعطل دينامية وإبداعية المجتمع بغض النظر عن تكلفتها المالية.
وهناك مشكل آخر، يرتبط بالجهات المسؤولة عن تمويل وتأطير طلبة التعليم العتيق حيث يجيز القانون هذه المهمة لأشخاص ذاتيين ومعنويين محسنين وجمعيات مما يهدد سيادة الدولة ويجعل الطلبة تحت سلطة المحسنين.
والحال أن لا دولة يمكنها أن تترك حوالي 200 ألف من أبنائها تحت سلطة أشخاص قد تكون لهم أهداف ونوايا أخرى لا سيما وقد عشنا تأثيرات المانحين من دول الخليج والسعودية خصوصا من خلال الوهابية.
وهناك مشكل إضافي، يرتبط بطبيعة التكوين إذ رغم الإصلاح الذي مس التعليم العتيق يبقى الغلاف الزمني المخصص للغات ومواد الرياضيات والفيزياء و الفلسفة والاجتماعيات صغير جدا مع تركيز كبير على المواد الشرعية و علوم اللغة العربية.
لا يتعلق الأمر في نهاية المطاف بموقف من العلوم الدينية والدين واللغة العربية،لا أبدا ولن تكون هذه نيتنا.
إن نيتنا هي انفتاح المدرسة على اللغات الحية والعلوم وعلى القيم الكونية لتسهم في وصول كل المواطنين والمواطنات إلى حظ من الثروة والتنمية.
فلا معنى في الحرص على تعليم خليط بين المدني والديني ينتج أجيال متوترة بين المحلي والكوني و قد تلقت تكوينات لا تساعدها في الترقي الاجتماعي.
في الوقت الذي يتلقى أبناء الطبقات الميسورة تعليما منفتحا على اللغات الحية والعلوم والقيم الكونية يجعلهم منسجمين مع ذواتهم وواقعهم ووجودهم، ويساعدهم في تحصيل الثروة والسلطة.
لهذا السبب أصبح من الضروري طرح السؤال الأهم:
هل نريد مدرسة مدنية أم دينية؟ أم سنستمر في هذه الهجانة التي تقودنا للمرتبة 126 عالميا في مؤشر جودة التعليم؟