الاثنين 17 ديسمبر 2018
سياسة

مصطفى العراقي: وداعا كريم العمراني، بائع الراديو الذي استنجد به الحسن الثاني

مصطفى العراقي: وداعا كريم العمراني، بائع الراديو الذي استنجد به الحسن الثاني الزميل مصطفى العراقي (يمينا) والراحل محمد كريم العمراني

لبى داعي ربه يوم الخميس 20 شتنبر 2018، أحد شخصيات المشهد السياسي بالمغرب خلال سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، حيث تحمل حقيبة الوزارة الأولى لسنوات، رجل الاقتصاد العصامي محمد كريم العمراني...

جاء العمراني أول مرة إلى الوزارة الأولى في 6 غشت 1971 قبيل الانقلاب الأول ضد الحسن الثاني. واستمر في المنصب في مرحلة أولى إلى 2 نونبر 1972 بعيد الانقلاب الثاني  .

واستنجد به الحسن الثاني للمرة الثانية في نونبر 1983 بعدما تم الزج بالمغرب في مسلسل التقويم الهيكلي الذي كانت كلفته الاجتماعية باهظة. قاد العمراني الحكومة لمدة ثلاث سنوات تقريبا.

وللمرة الثالثة لم يجد ملك البلاد من شخصية يضع بين يديها الحكومة سوى كريم العمراني، الذي عاد إلى الوزارة الأولى في غشت 1992، أي عشية خطاب "السكتة القلبية"، وبالضبط 25 ماي 1995.

قضى العمراني كوزير أول أكثر من 6 سنوات ونصف. وهي أطول مدة يقضيها مسؤول بهذا المنصب منذ الاستقلال .

حكومته الأولى "حكمها" دستوران، الأول تم الاستفتاء عليه في 24 يوليوز 1970، والثاني نظمت استحقاقه في فاتح مارس 1972.

وبين حكومتيه الثانية عشر والثالثة عشر في تاريخ المغرب، وحكومتيه الثامنة عشر والتاسعة عشر، كان هناك أربع حكومات قادها وزيران أولان هما: أحمد عصمان والمعطي بوعبيد.

وفي عهد حكوماته جرى انتخابان تشريعيان، الأول في 14 شتنبر 1984، والثاني في 25 يونيو 1993، والذي استكمل ثلثه غير المباشر (السيئ الذكر) في 17 شتنبر من نفس السنة .

مسار كريم العمراني يختلف بشكل مطلق على جميع الوزراء الأولين السابقين واللاحقين. فهو لم يأت إلى الوزارة الاولى من بوابة حزب سياسي، ولم يغادرها وهو يحمل معه تنظيما سياسيا. ولم  يقد حزبا أو حمل حقيبة وزارية قصد التدريب على  منصب وزير أول .

في فاتح ماي 1919 ولد  محمد كريم العمراني بفاس.. في أحد أحيائها البسيطة خطا خطواته الأولى التي لم تقده إلى مسار الدراسة، لينتقل من سلك إلى سلك. بل اختار أن يعتنق مبدأ المغامرة في مجال التجارة، وهو لم يكمل بعد عقده الثاني، مستعينا بخبرة معارفه وأصدقائه مغاربة وفرنسيين.

في السنوات الأولى من شبابه فتحت مدينة الدار البيضاء آفاقا رحبة للتاجر الصغير، حيث استقر هو وعائلته، واختار أن ينشئ متجرا لبيع أجهزة الراديو بأحد أحياء المدينة القديمة. فالإقبال على هذه "السلعة" ما فتئ يتسع لحاجة الناس الاستماع إلى نشرات الأخبار وتتبع  تطورات الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في نهاية الثلاثينيات، العقد الذي تأسس فيه القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية التي كانت الأكثر انتشارا في المنطقة العربية.

وكما استوعب محمد كريم العمراني مبادئ التجارة، اكتسب بموازاة ذلك اللغة الفرنسية التي وطدت علاقاته بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للفرنسيين بالمغرب. لم يختر دخول الحقل السياسي آنذاك، كما كان الشأن بالنسبة لأبناء جيله المؤسس للحركة الوطنية وللأحزاب التي تم تشكيلها لمناهضة الاستعمار. لكنه نسج علاقات مع عدد من الشخصيات التي شكلت الأنوية الأولى لخلايا النضال والكفاح.

من متجر الراديو عبر العمراني مجال إدارة مشاريع شخصيات من عالم المال مغاربة وفرنسيين، واكتشف أهمية الاستيراد والتصدير، ومنها بدل سرعة بناء رأسماله في نفس الوقت الذي ترقى فيه اجتماعيا من الطبقة الوسطى إلى صف البرجوازية .

غداة الاستقلال، وفي ولاية حكومة أمبارك البكاي الثانية، رشحه وقتها وزير الاقتصاد والمالية عبد الرحيم بوعبيد، وكان يشتغل بديوانه، لإدارة المكتب الشريف للفوسفاط، المنشأة الاقتصادية التي ولدت في نفس السنة تقريبا التي ازداد فيها ابن فاس، بائع الراديو، المقتحم لعوالم المال والتجارة. واستمر في هذا المنصب إلى بداية الستينيات، المرحلة التي احتدم فيها الصراع بين حزب القوات الشعبية والقصر، ليقيله الحسن الثاني بناء على تقارير أفادت بأنه متعاطف مع رفاق المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد. وتم تعويضه بمحمد الغزاوي، الذي سبق أن شغل المدير العام للأمن الوطني في بداية الاستقلال .

لكن العمراني الذي عرف أهمية وقيمة تسيير مؤسسة بحجم المكتب الشريف للفوسفاط، اختار أن يقترب من القصر ليستعيد المنصب ويحكم قبضته عليه كمدير عام ومدير تجاري ورئيس مجلس إدارة كل الشركات المساهمة التي يملكها المكتب.

وطيلة ربع قرن من تربعه على عرش المؤسسة التي تعد الأولى في جلب العملة الصعبة، وسع العمراني من أنشطة المكتب الذي لم يعد فقط مصدرا للمادة الخام، بل تم تشييد مركبات صناعات كيماوية أضيفت إلى مغرب فوسفور بكل من آسفي والجرف الأصفر.

وخلال الربع قرن هذا، جمع العمراني أيضا بين منصب المدير العام والوزير الأول، خلال ولايتيه الحكوميتين الأولى والثانية.

وأثناء نفس الفترة بنى مجموعته الاقتصادية العائلية التي تعد من بين أكبر المجموعات العائلية بالمغرب، واختار لها اسم "سفاري"، وتبلغ ثروتها اليوم أكثر من 3 مليار دولار. وتحتوي على أكثر من 16 مؤسسة متنوعة الأنشطة مثل استيراد وتركيب السيارات والجرارات والأخشاب والنسيج والتعدين والفحم والفلاحة... وهي مجموعة تديرها ابنته سعيدة العمراني، المزدادة في 30 غشت 1946، والتي يعرف عنها مساهمتها في عدد من المجالات الإنسانية. ويسجل للمجموعة تبرعها في إطار بناء مسجد الحسن الثاني بـ 20 مليون درهم، وهو المبلغ الأعلى في لائحة المكتتبين، يليه مولاي علي الكتاني بـ 19 مليون درهم، والحسن الثاني بـ 6 مليون درهم .

عندما جاء كريم العمراني للوزارة الأولي في 6 غشت 1971، كان البرلمان في أقسى حالات شلله، لم تستطع الانتخابات/ التعيينات أن تنفخ فيه روحا، ولم تنجح خطابات الملك الحسن الثاني في افتتاح سنته التشريعية من أن تعالج كساحه. فانقلاب الصخيرات عجل بتوقيف هذه المؤسسة التي قاطعت انتخاباتها في غشت 1970 جل الاحزاب السياسية. وحين غادر الوزارة في 2 نونبر 1972 كان المؤسسة التشريعية في ثلاجة القصر الذي عاش وقتها أحد حالات ضعفه ومواجهاته مع قواته المسلحة ومع القوى السياسية الرئيسية بالبلاد. وحتى دستور فاتح مارس 1972 الذي أشرفت على استفتائه حكومة العمراني لم يستطع امتصاص غضب المشهد السياسي، لأنه لم يلب مطالب الكتلة الوطنية التي أسسها حزبا الاستقلال والقوات الشعبية.. هذا الأخير الذي صدرت في حق مناضليه، عشية تنصيب الحكومة، أحد اقسى الأحكام الجائرة، ومن بينها الإعدام ضد خمسة، والمؤبد لستة، والباقي تراوحت ما بين ثلاثين سنة وسنتين .

بعد المحاولة الانقلابية الأولى أقدم الحسن الثاني على تفويض السلطة التنظيمية للوزير الأول كريم العمراني، وهي السلطة التي منحها له دستور 1970، على عكس دستور 1962 الذي نصت مادته 68 على أن هذا المجال من صلاحيات رئيس الحكومة. وجاء هذا "التنازل" بعد خطاب 4 غشت من نفس السنة "الذي تضمن إشعار أمتنا بوطيد عزمنا على منح الحكومة أجلا لا يتجاوز عاما ونصف العام لإعداد البرنامج الذي رسمناه في توجيهات أوضحناها وتعليمات بينا معالمها وخطوطها.."، كما ورد في رسالة الإعلان عن التفويض (في 17 غشت 1971)، والتي تضمنت كذلك: "إننا عقدنا العزم على تفويض السلطة التنظيمية لوزيرنا الأول".

وعقب المحاولة الانقلابية الثانية، التي جرت في 16 غشت 1972، أعلن الملك الحسن الثاني في خطاب رسمي (17 غشت 1971) عن "ثورة زراعية" توزع بمقتضاها 90 ألف هكتار في 122 جماعة قروية يستفيد منها 3802. ووعد باسترجاع 200 ألف هكتار من المعمر الأجنبي. وكان ذلك من أجل امتصاص غضب بادية عرفت تذمرا لفلاحيها، وأيضا لاستقطاب أو لخلق شرائح جديدة من أجل ولاءات جديدة.

واتجهت الخطوة الثالثة التي قام بها الملك إلى الأحزاب السياسية، وخاصة لمكوني الكتلة الوطنية، حزبا الاستقلال والقوات الشعبية. إذ بعث برسالة إلى قادتها ورد فيها الرغبة "في أن تتوافر لدينا الأداة الحكومية المعبرة عن اجتماع الكلمة، والكفيلة ببلوغ أسمى ما تسمو إليه الهمة ويتطلع إليه الحرص الجميل.. ومن أجل هذا فإن الرجاء معقود بإسهام الهيئة التي تنتمي إليها في الأعمال المنوطة بالجهاز الحكومي. وإننا إذ نأمل تلبية هذا النداء أن تحيطنا علما بالوسائل العملية التي تتيسر معها المشاركة المعروضة".

وقبل أن ينهي العمراني ولايته الحكومية الأولى بثلاثة أسابيع، اجتمعت اللجنة المركزية للاتحاد، وأعدت مذكرة جوابية على الرسالة الملكية رفضت فيها العرض، وركزت على التغيير الجذري لمفهوم الحكم.

وبعد عقد من الزمن يعود بائع الراديو المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، من جديد، إلى الوزارة الاولى في 18 في 30 نونبر 1983. كان من أبرز مميزات هذه الحكومة أنها ضمت ستة قادة أحزاب كوزراء دولة للتحضير لانتخابات 1984. عاد إلى الوزارة الأولى في غشت 1992، أي عشية خطاب "السكتة القلبية"، وبالضبط 25 ماي 1995. بعدها انسحب الراحل رويدا رويدا من المشهد السياسي ليهتم بمقاولاته ومشاريعه.

رحم الله كريم العمراني نموذج الوطني المقاول والسياسي الذي فتح مراحله لحوارات من أجل إصلاح التدبير العمومي، ووقف إلى جانب الصف الوطني، تنظيمات وقيادات.