الجمعة 19 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

مولاي أحمد الدريدي: دفاع مسموم عن الوزير مصطفى الرميد وأشياء أخرى

مولاي أحمد الدريدي: دفاع مسموم عن الوزير مصطفى الرميد وأشياء أخرى مولاي أحمد الدريدي

دفاع مسموم عن السيد مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان حاليا ووزير العدل سابقا، البرلماني ورئيس سابق لجمعية تنشط في مجال حقوق الإنسان بمنظور و مرجعية إسلامية .

(توضيح: مسموم بمعناه العامي لغة الشعب الدارجة؛ أي لغتنا اليومية التي وصفها رئيس في الحزب والحكومة بلغة الكلاب؛ وعلو شأن هذه اللغة المترجمة لثقافة الشعب تامغرابييت تسمي هذا الحيوان بالقانع؛ عكس العديد من... الذين لا يقنعون).

لقد تم الهجوم عليك السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان بشكل كبير من طرف العديد من مقتنصي الهفوات لخلق نقاش جانبي شعبوي وبوليميكي لا ينتج تقدما في مسيرة النهوض بحقوق الإنسان. لقد كان الهجوم بسبب تصريح المعتقل على خلفية قضايا الإرهاب الشارف حيث تراجع عن تصريحاته بخصوص تعرضه للتعذيب؛ نعم لقد سهل الربط بين الرجلين لأنهما من نفس المرجعية السياسي، أي مرجعية الإسلام السياسي، والتي تستعمل حقوق الإنسان للصعود إلى الواجهة قصد الحصول على مكاسب سياسية، وليس من أجل النهوض بحقوق الإنسان ومبادئها وقيمها الكونية التي تنطبق على كل البشر بدون استثناء أو باعتماد أية خصوصية. لقد سبق للسيد الرميد أن تفاعل مع مأساة السيد الشارف، خاصة أن أهم جريدة إليكترونية، والتي لها كذلك خط تحريري يحابي الإسلام السياسي سبق وأن نشرت العديد من المقالات أدت إلى تعاطف العديد مع الشارف، وقد كان من ضمنهم السيد الرميد وحتى إطارات ومناضلين حقوقيين لم يضعوا في حسبانهم أن السيد الشارف يكذب.. أسوق هنا مقتطف من هذه المقالات: "صرخات بوشتى الشارف من داخل سجن سلا، مع بداية الحراك الشعبي بالمغرب ضمن فعاليات 20 فبراير، حركت أفئدة الناس داخل المغرب وخارجه، كتب عنه أصحاب الرأي الشرفاء، وتفاعل معه أصحاب الفيديوهات من داخل السجن وخارجه، أبكى أصحاب القلوب الآدمية من خارج المغرب التي عبرت عن إنسانيتها كما فعلت الأخت غزلان، وفضح المسؤولين عن التعذيب داخل معتقل "تازمارة" بتعبير محمد المصدق بنخضرا، وتحداهم أن يمتحنوه فيما قاله مقترحا لجنة طبية محايدة، وتعرض للاختطاف من داخل السجن لما ضللوه بأن زوجته جاءت لتزوره، ولم تعرف أسرته مكانه إلا بعد مرور أيام قاست معها الأسرة الصغيرة وبكى الأطفال، زد على هذا أن حركة 20 فبراير نظمت وقفة امام معتقل العار فجوبهت بعنف همجي من قبل قوات الأمن في حضور حقوقيين وسياسيين يتقدمهم البرلماني الأستاذ المصطفى رميد... وبعد ذلك أريد لملف بوشتى الشارف أن يطاله النسيان داخل أسوار السجن بعدما حكموا عليه بعشر سنوات سجنا... هكذا أرادوا، والله يرد !"

إذن السيد الرميد يجب أن نعتبر أنه غرر به آنذاك وأنه لم يعطي لنفسه مسافة حقوقية كافية لاتخاذ موقف مبني على أساس المرجعية الكونية لحقوق الإنسان. لا كما قام آنذاك السيد الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حين تعامل مع الموضوع بشكل بيداغوجي، وكذلك بمنهجية تراكم الإنجازات للوصول إلى إقناع الكل بضرورة التعجيل بإعمال البروتوكول الاختياري الخاص باتفاقية التعذيب، وأن تصريح الاستاذ الصبار آنذاك بعد زيارته لمقر DST بتمارة وجملته التاريخية "لم نجد معتقلا أو ممارسة تعذيب في آنه" قد أسسوا لمقاربة تشاركية بيداغوجية نتمنى أن تفضي سريعا إلى تشكيل آلية الوقاية من التعذيب.

سأسوق في بضعة اسطر، تعاريف حقوقية مرتبطة بموضوع التعذيب دأبنا كحقوقيين اعتمادها في التعاطي مع الإشكالات المطروحة علينا في التعاطي مع التعذيب وإعادة تأهيل العائدين منه.

إن التعذيب في أذهان الناس هو صور من أقسى أشكال المعاناة الجسدية والنفسية، فقليلون هم الذين يستطيعون تجنب التأثر بوقع مثل هذه المعاناة على أي إنسان، ولا يمكن إنكار حقيقة أن التعذيب يقترن بأعمال وحشية لا إنسانية من خلال الممارسات والعقوبات التي تحط من كرامة الإنسان، وقد أدرج حظر التعذيب وسوء المعاملة في المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقد تم التعبير عن هذا الحظر أيضا في كافة المعاهدات الدولية والإقليمية، وفي العديد من الدساتير الوطنية، ومنها الدستور المغربي لـ 2011، واستخدمت العناصر المتعلقة بالصيغة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الخاصة ”بالقاسية” “اللاإنسانية” “المهينة” "العقوبة” في هذه الاتفاقيات.

تعريف التعذيب: التعذيب يتكون من خمسة عناصر أساسية:

ينطوي التعذيب على”التسبب” في ألم أو عذاب.

الالم العقلي أو البدني شديد، فإذا لم يكن كذلك، لا يصل الفعل إلى حد التعذيب، إلا أنه قد يشكل إساءة معاملة.

يتم إلحاقه عمدا بالشخص.

عن طريق أو بموافقة أو إذعان من سلطات الدولة.

لغرض محدد مثل الحصول على معلومات أو العقاب أو الترهيب...                                   

إن  كلمة التعذيب تثير الانفعال، ولكنها يجب ألا تستخدم باستخفاف..

صور من التعذيب:

لقد توسع الفهم العام لنطاق التعذيب وسوء المعاملة توسعا عظيماً منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 ومن صور المعاملة والتي اعتبرتها الهيئات والآليات الدولية لحقوق الإنسان بأنها تشكل تعذيباً أو إساءة معاملة.

التخويف: تشكل فكرة العذاب العقلي عنصراً مكوناً من عناصر تعريف التعذيب بموجب المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، حيث أشار المقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى أن الخوف من التعذيب الجسدي قد يشكل بحد ذاته تعذيباً عقلياً، فضلاً عن أن التهديد بالقتل للسلامة الجسدية للضحية أو لشخص ثالث يمكن أن تصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

الحرمان الحسي: حيث قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية إيرلندا ضد المملكة المتحدة أن الأساليب الخمسة للحرمان الحسي، والتي طبقت معاً في استجواب السجناء المحتجزين بموجب قانون الطوارئ في إيرلندا الشمالية وصلت إلى حد المعاملة اللاإنسانية والمهينة والخطر الذي استخدم تم بموجبه احتجاز السجناء في مركز اعتقال محاط بإجراءات أمنية وتم بموجبه حظر شبه الكامل للتخاطب.

أوضاع الاعتقال: حيث استشهدت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ”بالاكتظاظ الفاضح” والعوامل الأخرى، واعتبرت المحكمة أو أوضاع الاعتقال تصل إلى حد المعاملة اللاإنسانية وتبين للجنة مناهضة التعذيب أن أوضاع اعتقال معنية تصل إلى حد ”المعاملة اللاإنسانية والمهينة"، كذلك كانت جوانب محددة من المعاملة التي يلقاها السجناء مثل الاكتظاظ وعدم كفاية الطعام والماء وانعدام الرعاية الطبية وانعدام الاحتياجات الأساسية للصحة الشخصية للنساء، كما أن الحبس الانفرادي المطول كانت موضوع النتائج المتعلقة بسوء المعاملة ووصفتها الهيئات والآليات الدولية بأنها يحتمل أن تشكل إساءة معاملة.

حوادث الاختفاء: ورد في المادة الأولى من إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (الإعلان الخاص بالاختفاء القسري)، ذلك أن الاختفاء القسري يحرم الشخص الذي يتعرض له من حماية القانون وينزل به وبأسرته عذاباً شديداً وينتهك حقوقه في الحرية والأمن وحقه في عدم التعرض للتعذيب، كما ينتهك حقه في الحياة أو يشكل تهديداً خطراً لحياته. كما أن المقرر الخاص المعني بالتعذيب صرح بأن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي في مكان سري قد يصل إلى حد التعذيب أضف إلى أن العذاب الذي يقاسيه أقرباء المختفي تصل إلى حد التعذيب.

التدمير القسري للمنازل: حيث ذكرت لجنة مناهضة التعذيب أن السياسات الإسرائيلية بشأن هدم المنازل والإغلاق يمكن أن تصل في بعض الحالات إلى معاملة أو عقوبة قاسية ولاإنسانية.

التجارب الطبية والعملية: حيث ورد في المادة السابعة من المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أنه لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر.

العقوبة الجسدية: حرصت لجنة حقوق الإنسان على حضر التعذيب وسوء المعاملة بموجب المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأكدت العقوبة الجسدية، بما فيها التعنيف المفرط الذي يؤمر به كعقاب، على ارتكاب جريمة أو كإجراء تثقيفي أو تأديبي.

الاستخدام المفرط للقوة في إنفاذ القانون: قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه بالنسبة للشخص يحرم من حريته، فإن أي لجوء إلى القوة العقلية التي لم يستلزمها سلوكه بشكل حتمي يمس بكرامة الإنسان ويشكل انتهاكا.

استخدام عقوبة الإعدام: قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية سورينغ ضد المملكة المتحدة أن الطريقة التي فرضت أو نفذت فيها (عقوبة الإعدام) والظروف الشخصية للشخص المدان وعدم التناسب مع خطورة الجريمة المرتكبة، فضلاً عن أوضاع الاعتقال بانتظار تنفيذ حكم الإعدام، تشكل أمثلة على العوامل القابلة لجعل المعاملة أو العقوبة التي لقيها الشخص المدان تدخل ضمن سوء المعاملة، كما أن لجنة مناهضة التعذيب في معرض النظر في تقارير الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب صرحت أن استمرار عقوبة الإعدام مصدر قلق لها وصرحت بأن شعور العديد من الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام بالشكوك يصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وبأنه يجب إلغاء عقوبة الإعدام في أسرع وقت ممكن.

التمييز العنصري: حيث اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن القبارصة اليونانيين الذين يعيشون في المنطقة التي يديرها القبارصة الأتراك في شمال قبرص، تعرضوا نظراً لأوضاعهم المعيشية للتميز الذي يصل إلى حد المعاملة المهينة.

الانتهاكات المرتكبة في النزاعات المسلحة: اعتبرت محكمة يوغسلافية متهماً بارتكاب معاملة لاإنسانية وقاسية بسبب مسئوليته في استخدام المدنيين كدروع بشرية وحفر خنادق في جبهة القتال.

ضروب التعذيب أو سوء المعاملة التي تختص بها المرأة: أشار المقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى أن أفعال الاغتصاب والأذى الجنسي والمضايقة والإسقاط القسري والإجهاض القسري واختبار البكارة بوصفها ضروب تعذيب تتعلق بالمرأة تحديداً.

كما أن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه ونتائجه أعتبر أن الممارسات الثقافية مثل تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وجرائم الشرف بوصفها ممارسات تنطوي على ألم وعذاب شديدين ويمكن اعتبارها أشبه بالتعذيب.

توثيق إدعاء التعذيب:

الهدف من توثيق الادعاءات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان هي إعداد سجل عن الأحداث يتسم بالدقة، والوضوح ويمكن الاعتماد عليه وذلك عن طريق:

- أن نبحث عن المعلومات التي تتسم بالجودة. المقصود هنا الحصول على أفضل المعلومات الممكنة في ظل الظروف المحيطة، أي معلومات مباشرة + مفصلة + مترابطة + مدعمة بالأدلة.

- أن تتخذ خطوات من شأنها الوصول بدقة للمعلومات ومصداقيتها. وتشمل الاحتياطات العامة من أجل الوصول إلى المصداقية ما يلي:

- أن تعرف مصادرك، وأن تكون على إطلاع كامل بالظروف التي تقدم فيها الادعاءات.

- أن تبقى على اتصالك بمصادرك فقد تحتاج إلى الحصول على تفاصيل وإلى التحقق منها في مرحلة قادمة.

- أن تسأل عن أسماء الضحايا وعن التفاصيل المرتبطة بهم.

- أن تكون أكثر حذراً ودقة إزاء المعلومات الغامضة أو العامة.

- أن نتجنب الادعاء على أساس تقارير وسائل الإعلام أو الشائعات دون أن تقوم أولاً بتأييد معلوماتك بالأدلة وعندما تقوم بإجراء المقابلات يمكننا الوصول بدقتها ومصداقيتها إلى أقصى حد.

هذه هي الإجراءات  التي كان على السيد الرميد القيام بها حتى يتجنب السقوط في الخطأ وإعطاء صورة خاطئة عن حقوق الإنسان في المغرب، وكأننا مثل باقي دول المنطقة العربية الإسلامية لم نناضل من أجل تحقيق مكتسبات هي التي جنبتنا المصير المؤلم الذي عرفته المنطقة بعد الربيع/ الخريف العربي الذي استفادت منه حركات الإسلام السياسي، مثل ما استفاد حزب الرميد وانقض على فرصة الوصول إلى الحكومة برفع فزاعة الإسلام السياسي للتحالف مع التيارات الرجعية المحافظة في الدولة.

السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مع التصريحات الاخيرة للسيد الشارف، يجب أن تعترف بأنك أخطأت التقدير أو قد غرر بك، من طرف دعاية الإسلام السياسي التي كانت تبحث على صورة للمضلومية وشيطنة الدولة والمجتمع الذي تريده ان يرجع "للسلف الصالح!!!!؟"

السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب سوء المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية، حيث أن نصوص بعض القوانين المغربية، خاصة التي لا تتلاءم مع التزامات المغرب في مجال سمو المواثيق الدولية لحقوق الإنسان هناك ضرورة لمراجعتها، وخاصة ما ارتبط  بحقوق المرأة (فمثلا التعدد هو سوء معاملة وقد يصل إلى تعذيب وفق التعاريف السابقة)، كذلك إن الخطأ الذي وقعت فيه مع السيد الشارف تعيده اليوم في دفاعك المستميت على مصادرة الحقوق الفردية لفئات من المواطنين المغاربة أو حين تعرقل وتعطل النقاش على إلغاء أبشع حكم على الإنسان، أي حكم مصادرة أقدس حق من حقوق الإنسان أي الحق في الحياة.

السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، أسديك نصيحة من ذهب؛ إنك أمام منعرج مهم في حياتك إن أردت الاستفادة منه، ألا وهو أن تكون لك الشجاعة وتقطع مع أوهام خصوصية حقوق الإنسان، وتدخل تاريخ حقوق الإنسان بكونك رجل سياسة جاء من تيارات الإسلام السياسي وانتصر لكونية حقوق الإنسان.

- مولاي أحمد الدريدي، مدافع عن حقوق الإنسان، المنسق العام لشبكة أمان، شبكة شمال إفريقيا والشرق الأوسط لحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب