الأحد 23 سبتمبر 2018
سياسة

المرابط: هل يحمل تحامل المحدالي على التدموري دلالة "سياسية" في معادلة حراك الريف؟

المرابط: هل يحمل تحامل المحدالي على التدموري دلالة "سياسية" في معادلة حراك الريف؟ محمد المرابط يتوسط عبد الوهاب التدموري (يمينا) وجمال المحدالي

على غرار "الانقسامية" التي عرفها حراك الريف بأوروبا، بدأت ملامح هذه الظاهرة في التسلل إلى الداخل، حيث يجمل بنا الوقوف على بروز هذه العدوى بين نخبة الريف. ويبقى الغرض من كاشفات الضوء هذه، احتواء هذا الانفلات.

في 29 غشت 2018 كان "المغرب.. إلى أين؟"، موضوع "حديث الأربعاء" للناشط الحقوقي سعيد العمراني بقناة "ريفيزيون"، حيث استضاف فيه الأستاذة خديجة الرياضي والدكتور عبد الوهاب التدموري، والأستاذ أحمد عصيد. وقد كانت هذه الحلقة مناسبة ليبسط التدموري أرضية ما نصطلح عليه بمبادرتي النشناش والتدموري، وكذلك الانشغال بخلق جبهة ديموقراطية.

في اليوم الموالي سيخرج الأستاذ جمال المحدالي من جمعية عائلات المعتقلين، "تافرا للوفاء والتضامن" بتدوينة جاء فيها: "حين يتحول اللافعل إلى أقصى ما يمكن فعله، والإطار شبه الميت إلى نموذج رائد في مجاله، وينسب مجهود الغير إلى الذات المتعالية في غيها، وحين يتحول الكذب إلى حرية التعبير، فإننا نكون بصدد حالة مرضية لا يعول عليها". وطبعا في نفس اليوم سيعلن ناصر الزفزافي الإضراب عن الطعام والماء والسكر حتى الاستشهاد. وهو ما جعل هذا الإضراب المفاجئ يحتمل عدة تأويلات سواء من احتمال إجهاض مفاعيل اتصال التدموري ببعض المعتقلين الذين باركوا جهود توحيد الجهود، أو التماهي مع انتقاد يوبا الغديوي زعيم التنظيم الجمهوري الريفي المستقل، للتجاوب الشعبي مع قرار العفو من خلال ما يعرف في علم النفس بـ "متلازمة ستوكهولم"، أو دعم مسيرة بروكسيل في فاتح شتنبر في سياق التزامه مع الدكتور جمال الخطابي المنسق العام لفدرالية فرنسا للجان دعم الحراك الشعبي بالريف، بـ "تأسيس صلة تنظيمية بين السجن وحراك أوروبا"، أو خدمة أفق ترشيحه لجائزة ساخروف، حيث اعتبر في نفس اليوم رشيد أوفقير من حركة 18 شتنبر لاستقلال الريف، أن شهر شتنبر  هذه السنة يعتبر مهما لهذه الجائزة، مما يبين أن إضراب الزفزافي يضمر حسابات مغايرة لما هو معلن في دواعي الإضراب.

من جهة أخرى سيخرج الأستاذ جمال أمزيان (ابن قائد انتفاضة الريف محمد الحاج سلام أمزيان، زعيم "جبهة النهضة الريفية") في مستهل شتنبر بتدوينة يعاتب فيها الأستاذ المحدالي، جاء فيها: "لماذا لا نستطيع تدبير اختلافاتنا ونؤمن ببعضنا البعض ونثمن مجهود كل واحد منا وننظر إلى ما مضى بعين متفائلة مستقبلية دون حقد وبغضاء وتصغير؟ لماذا نحن سريعين في اتخاذ المواقف والتأثر وليس التأثير؟"

بعد ذلك سيخرج الدكتور التدموري بتدوينة مطولة بعنوان: "في تبيان الفصل بين النقد، والمضمر من الأحقاد"، نشرها موقع "أنفاس بريس"، تتضمن ردا من العيار الثقيل على الأستاذ المحدالي. وسيلاحظ القارئ أن "تعيين" المخاطب من هذه الردود، إنما هو من اقتضاء دلالة السياق، أما تلك التدوينات فلم تحمل اسم أي مخاطب.

والملاحظ أن إعلان التدموري عن تعبيرات الفعل المجتمعي الساعية للحل السياسي للحراك على أرضية تعاقدات واضحة، تستوعب الفعل الاحتجاجي ضمن النسق الديموقراطي للبلاد، قد يكون الرد عليه مقبولا ممن يحس بأن التطورات الداخلية من عفو واتساع فعل المبادرات المدنية ومصداقيتها قد تجاوزت مخططاته، كما فعل يوبا الغديوي، وهو يسلخ التدموري بالاسم. لكن هذا المسلك غير مقبول من المحدالي، باعتبار أن هذا الأمر سيجعل جمعية "تافرا" في موقع مناهضة المبادرات المدنية، وهو ما سيحيطها بشكوك حول حقيقة أهدافها "السياسية"، ونحن في غنى عن كل تأويل يشوش على أفق وطني نعتبره واعدا.

وأنا إذ ألفت بهذا، عناية المهتمين إلى بوادر "الانقسامية"، وبما تحبل به من مخاطر على ملف الحراك، أشير إلى أن هذا الملف تتداخل فيه العديد من المستويات؛ فهناك في الريف الكبير ثقل استحضار التاريخ (بيعة مولاي أحمد الريسوني، وبيعة مولاي موحند). وهناك استحضار تعقيدات المجال (الريف والجبل)، ومدى مطابقة العنصر البشري (روافة وجبالة) فكريا وسياسيا لمقولة "الشعوب الأصلية" التي يرددها الأستاذ البوشتاوي والدكتور الخطابي. وهناك أيضا طبيعة الحل المراد؛ هل من خلال صفقة مع المخزن أم من خلال تعاقد مع الدولة؟ إذ أخشى أن يجد المتهجمون على التدموري، أنفسهم في موقع تحويل الحراك إلى أصل تجاري. ولا يعني هذا أنني أوافق التدموري في كل شيء، وهو رجل سجال ورجل فكر ورجل تنظيم، ونحن تحكمنا جوانب الاختلاف بين مرجعيات اليسار في المغرب. فمؤخرا لم أوافقه التضمين الذي أعطاه للعفو في عيد الأضحى وصداه لدى سعيد الفار وعلي بلمزيان ويويا الغديوي. كما لم أوافق انفراد "المبادرة المدنية من أجل الريف" للدكتور النشناش، ببلاغها حول العفو، وهي محكومة بالتنسيق مع "مجموعة العمل من أجل الريف وكل الوطن" للدكتور التدموري. لكن رغم إدراكي بأن القضايا الحيوية للمغرب لا مجاملة فيها، لكن أمر التمكين لها يتطلب بيداغوجية التدرج بالتأكيد.

لذلك فرافعة الحل تكمن في اصطفاف عريض للمبادرات المدنية والفعاليات الريفية والوطنية، والمعتقلين وعائلاتهم، لتجنح الدولة إلى المقاربة السياسية، كدرس أساسي من انتفاضة الريف 58-59، وقد فاتها في وقته .