الاثنين 24 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: جدلية الحرية والقانون الجنائي في قضايا الصحافة والنشر   

جمال المحافظ: جدلية الحرية والقانون الجنائي في قضايا الصحافة والنشر    جمال المحافظ

يبدو أن الحكومة جادة ومتحمسة، بل ومتسرعة أيضا، لإقحام تعديلات واسعة على قانون الصحافة والنشر الذي مازال منذ التغييرات السلبية التي طالته منذ أول قانون للحريات العامة لسنة 1958 وإلى غاية 2016 سنة إقرار آخر قانون خاص بمهنة المتاعب، محكوما بصفة عامة بمنطقين الأول ينتصر لتوسيع هوامش حرية التعبير والرأي والصحافة والاعلام، في حين  ظل المنطق الثاني ملتصقا بتقييد حرية الصحافة  ومنها ضرورة الاحالة  على القانون الجنائي.

وإذا كان القانون 13-88 المتعلق بالصحافة والنشر الذى لم تمر إلا سنة تقريبا على دخوله حيز التنفيذ، بعد إقراره من لدن البرلمان سنة 2016، قد تضمن إيجابيات، أبرزها إلغاء العقوبات السالبة للحرية وتعويضها بغرامات مالية والتنصيص على ضمان الحق في الحصول على المعلومات مع إقرار حرية الصحافة الإلكترونية، وجعل اختصاص حجز الصحف أو حجب المواقع الإخبارية الإلكترونية، اختصاصا قضائيا صرفا، فإن جميع هذه الإيجابيات، أقبرت بعد إحالة بعض القضايا المرتبطة بحرية الرأي والتعبير على القانون الجنائي، كما  جاء واضحا في مشروع التعديلات الحكومية المعروضة على لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب.

فهذه المشاريع، إذن، تسير ضد المنطق الإيجابي الذى دافعت عنه الحكومة السباقة، ويقوض أيضا مختلف المبادرات الرامية إلى جعل التشريع الخاص بالصحافة والنشر قانونا لتنظيم المهنة وليس قانونا جنائيا عقابيا يضيق من هوامش حرية الرأي والتعبير ويخنق حرية الصحافة والإعلام التي أصبحت في عالم القرن الواحد والعشرين مقياسا رئيسيا لمؤشرات تقدم وتحضر، إذ لا يمكن الحديث عن أي ديمقراطية بدون ضمان حقيقي لحرية الاعلام.

وتنص هذه التعديلات بصفة عامة على "نسخ المقتضيات التي ترتبط بتجريم أفعال التحريض المباشر على ارتكاب الجرائم المتعلقة بالقتل أو الاعتداء على الحرمة الجسدية للإنسان أو الإرهاب أو السرقة أو التخريب، وكذا أفعال الإشادة بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الإرهاب والتحريض المباشر على الكراهية أو التمييز".​

وأكثر من ذلك عمد واضعو المشروع إلى الذهاب أكثر من ذلك حينما استهدف عن "سبق إصرار وترصد" التضييق على حرية الصحافة والتعبير، وذلك حينما أناط بأحكام مجموعة القانون الجنائي التي نصت صراحة على تجريم ومعاقبة  أفعال، ما أسماه بـ "جريمة إهانة رجال ونساء القضاء والموظفين العموميين ورؤساء أو رجال القوة العامة أو هيئة منظمة، كجرائم حق عام"، وبالتالي إدرج الصحفيين والإعلامين الذين يخضعون لمبدأ المساواة أمام القانون، خلال قيامهم بمهامهم المهنية والتعبير عن آرائهم، ضمن خانة "مجرمي الحق العام".    

وإذا كان تحويل الفصول السابقة التي أتينا على ذكرها من قانون الصحافة والنشر إلى القانون الجنائي،  سيوسع من قيود المنع والتضييق على حرية الصحافة ووسائل الإعلام والصحافيين، فإنه سيكون في المقابل بردا وسلاما على المسؤولين عن تدبير الشأن العام خلال إخلالهم بالتزاماتهم أثناء ممارسة مهامهم، وسيبعدهم بالتالي عن مراقبة الصحافة والإعلام، وهو الأمر الذي سيساهم في الحد من جرأة الصحافة والإعلام، خاصة خلال قيامها بالتحقيق والتقصي في الملفات المرتبطة بقضايا الفساد وفضح المفسدين. وهذا ما دفع بعض المهنيين ونشطاء حقوق الإنسان على قلتهم، إلى اعتبار أن هذه التعديلات الحكومية التي سبق عرضها على اللجنة النيابية المختصة، تشكل "تضييقا جديدا على حرية الصحافة، وترهيبا جديدا  للصحافيين والصحافيات، من خلال  اللجوء إلى استخدام مقصلة القانون الجنائي".

فهذه التعديلات لم تسلم منها حتى الصحافة الأجنبية، حيث ضيق المشروع على مجالات عملها، حينما  ربطت هذه التعديلات بعدة شروط، منها جعل جزاء السحب النهائي والسحب المؤقت للمادة الصحافية وتعطل الولوج إليها يشمل "الجرائم المتعلقة بنشر نبأ زائف نظرا لخطورتها"، وهو ما سيزيد من تدني ترتيب البلاد في المؤشرات التي تعتمدها المنظمات الدولية في تصنيف الدول في احترامها لحرية الرأي والتعبير والصحافة والاعلام.

وإذا كان الصحافيون وهيئاتهم التمثيلية، قد عبروا عن "رفضهم المطلق" لهذه التعديلات التي أقرتها الحكومة بشكل انفرادي بدون إشراك المهنيين والأخذ بعين الاعتبار لوجهة نظرهم بخصوصها، وهو "ما يفرغ قانون الصحافة والنشر من محتواه وتراجعا عنه، ويفقده مشروعية الوجود"، ويشكل أيضا خروجا عن روح دستور 2011، وتضييقا جديدا على حرية الصحافة، وترهيبا للصحافيين والصحافيات باستخدام مقصلة القانون الجنائي، فإن غالبية التجارب بالدول الديمقراطية، تمنع اللجوء إلى القانون الجنائي في القضايا التي لها علاقة بممارسة المهنة، لأن ذلك من شأنه أن يوسع دوائر المنع والرقابة والتضييق على حرية الصحافة.

فلم يمر إلا وقت قصير عن "فشل" الحكومة في تمرير هذه التعديلات بالبرلمان لحد الآن حتى بادرت في غشت الماضي إلى إدرج تعديل جديد على الفصل 2- 447 من القانون الجنائي، قالت إنه يأتي ضمن الجهود المبذولة لمحاربة الأخبار الزائفة، مستفيدة من الانشغالات بالعطلة الصيفية، وبعد أن وضعت "الحروب الكلامية الطاحنة" بين قبيلة الصحفيين أوزارها خلال نفس الشهر، بسبب تداعيات انتخاب المجلس الوطني للصحافة. 

وينص هذا التعديل على أن "يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك من الأنظمة المعلوماتية، ببث وتوزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو قيام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة، يقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم". وفي غياب أي نقاش عمومي ورد فعل الهيئات التمثيلية المهنية المعنية وغالبية المنظمات التي لها علاقة بحرية التعبير والرأي، ستدخل هذه المقتضيات حيز التنفيذ ابتداء من 18 شتنبر 2018، حسب ما نشرته بعض وسائل الاعلام.

إلا أن الملاحظ أنه رغم أهمية هذه المشاريع بالنسبة للحكومة، وخطورتها في نظر المهنيين، فإنها لم تثر اهتمام وردود فعل الهيئات والمنظمات، المعنية مباشرة بالصحافة والإعلام، وتلك المختصة بقضايا حرية التعبير والرأي، مما يظل التساؤل مشروعا حول ما إذا كان عدم الاهتمام، وهذا التقصير مرده إلى لامبالاة وظروف العطلة، أو أن هناك اتفاق ضمني أو سري لا يهم على هذه المشاريع، خاصة في ظل المحاولات الرامية إلى الحد من الأدوار المتزايدة التي أضحى يقوم بها الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام مقارنة مع الإعلام التقليدي. غير أن الأمل معقود على أن تكون مناسبة الدخول الاجتماعي مناسبة لفتح نقاش عمومي حقيقي حول جدلية توسيع هوامش حرية التعبير والرأي وهاجس الإحالة على بعض مقتضيات القانون الجنائي.. نقاش يتطلب أن يستند على مقاربة تشاركية وفق مقتضيات دستور 2011. فقضايا الصحافة والإعلام وحرية الرأي والتعبير هي مسائل حيوية لا تقل أهمية عن الملفات الأخرى، التي من المقرر أن تفتح الحكومة حولها حوارا مع الأطراف المعنية بها.

- جمال المحافظ، كاتب صحفي