السبت 22 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

منعم وحتي:اللغة التي لا تتطور تموت 

منعم وحتي:اللغة التي لا تتطور تموت  منعم وحتي
إن اللغة التي لا تتطور تموت، فهي ككائن حي تحتاج لجرعات تحين ذاتها وتساعد على إغناء رصيدها وترميم مفاصل ترهلها وصعوبتها، لكي تساير تطور الإنسان واكتشافاته وتوسع العلوم وتقدم مدارك الإنسان. 
فاللغة لها منحى حياة، كائن حي اجتماعي، يتغذى من توازنات و صراعات الحركة الاجتماعية، و يؤكد التاريخ الدور الحاسم لهيمنة الدول و من خلالها حضارتها في توسع لغاتها، و كذا القبائل و الحسم العسكري في الحروب، كعاملين محددين في طغيان و هيمنة لغة، اضمحلال أخرى أو حتى انقراضها، دون إغفال عامل التماس بين لغتين و الذي يؤدي إلى تناقحهما بصيغ تبادل الكلمات و التراكيب اللغوية في جسم كل لغة، مما يزكي طرح أن اللغة كائن حي يمكن أن يمر من مرحلة الأوج إلى الاضمحلال.
فاللغة التي لم تستطع أن تجد مرادفات لحقول سريعة التطور كالمعلوميات وعلوم التشريح والأوبئة والفضاء وعلوم النفس والصيدلة والموسيقى، أكيد أنها ستصبح لغات قديمة لتدريس التاريخ القديم، وستقطع أي علاقة مع التطور البشري، إنها لغات ستدخل للمتحف، كجزء من التاريخ البدائي لتفقد تدريجيا قدرتها التداولية بين الناس. 
إن اللغة الفرنسية شعرت مؤخرا بِوَهَنِهَا الشديد مقابل بقية اللغات وخصوصا الإنجليزية، مما دفعها لإيلاء اهتمام بالغ بتطوير لغتها، وأسندت ذلك لمؤسسة سيادية عليا تحت مسمى "الاكاديمية الفرنسية"، حيث أضافت مؤخرا أكثر من 2000 كلمة جديدة وتجدد ذاتها سنوياً، وقد ألغت "الأكسون سيركونفليكس"، وتم تغيير حرف "ف" في مجموعة من الكلمات من "ph" إلى "F"، وحذفت حركة الربط بين الكلمات، إضافة إلى إزالة الحركة التي تسمى "شابو" عن المفردات مثل mûr التي ستكتب مستقبلا mur، أما كلمة oignon فستصبح ognon، وتغيرات أخرى لتصحيح أخطاء إملائية وصعوبات في النطق والكتابة وباستحداث كلمات جديدة. 
ليس إذن المشكل باللغة العربية في استحداث مفردات جديدة أو تقويم جديد للغة، بل أن البعض يعتبر اللغة كائنا مقدساً وجامداً، بحيث ليست هناك هيئة علمية أكاديمية من متخصصي اللغة واللسانيات للاجتهاد وتطوير اللغة بما يخدم مسايرتها للتقدم التكنولوجي و العلمي البشري وتسهيل تداولها وترميم نقائصها، بل هي مشاعة بين عدة دول متنافرة الأهداف، إلى درجة تفسخها بغزو اللسان الدارج والسوقي لشرايينها، وبدل التطور المواكب للتقدم الحديث، أصبح اللسان المتداول أكثر حركية عليها. 
إن اللغة العربية تحتاج لأكاديميين علميين ومتخصصين لتطويرها بما يلائم العصر وسرعة تقدمه، وإلا أصبحت ثراتاً قديما لا يليق به إلا دخول متحف التاريخ، وليست مصطلحات الطبيخ باللسان الدارج من ستنقد توسع تداول اللغة العربية، بل المطلوب إغناء رصيدها اللغوي العلمي الحديث، ومعالجة تراكيبها وتخفيف صعوبة تعلمها ونطقها وطريقة إملائها، بما يضمن جماليتها وتوسعها، خصوصا أمام إكراه التخلف العلمي والاقتصادي للناطقين بها والذي يجعلها تحمل في جوفها بذور تخلفها عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي.
من المهم إذن إسقاط طابع القداسة عن اللغة العربية لأنها في نهاية الأمر أداة تواصل ووِعاءُ للتداول، عكس من يعتبرها أقدسُ مِنْ أن يمسها التغييرُ فقط لانها لغة القرآن، فاستعملوا عقولكم، إن المقصود بالنصوص هوِ الحكمةٌ الكامنةُ فيها لا النصوص بحد ذاتها أوِ اللغة التي كُتبت بها، فكم من ترجمة فاقت جمالية النص الأصلي. 
فطوروا لغتكم بمحاكتها بلغات قوية عكس زيادة أعطابها باللسان الدارج، فهي مهام أعمق مِنْ أن تُسْنَدَ للهواة يعبثون بها.