الاثنين 19 نوفمبر 2018
اقتصاد

خير الدين: ما جدوى التعمير القانوني في ظل آلية الاستثناء؟

خير الدين: ما جدوى التعمير القانوني في ظل آلية الاستثناء؟ مصطفى خير الدين مع نموذج من تهيئة مدينة

من الملاحظ أن منظومة زجر المخالفات المتعلقة بالبناء والتعمير غالبا ما كانت تشوبها الضبابية. ومرد ذلك يعود، حسب المتتبعين، إلى كون عملية المراقبة يتقاسمها العديد من المتدخلين. فهل رفع قانون 12/66 الجديد، الصادر في شتنبر من سنة 2016، هذه الضبابية؟ ثم ما هي إيجابيات آلية الاستثمار في مواكبة المشاريع الاستثمارية؟ ألم تعاكس هذه الآلية التوجهات الاستراتيجية للتهيئة العمرانية وتضع المدينة أمام تحديات متعددة؟ وما هو دور الوكالات الحضرية في هذه المنظومة وفي معالجة مشاكل التعمير ككل؟؟

حول هذا الموضوع وجوانب أخرى مرتبطة به، التقت "أنفاس بريس" بالأستاذ مصطفى خير الدين، خريج جامعة التعمير مونتريال بكندا والباحث في علوم المدينة، وأجرت معه الحوار التالي :

+ كيف تقرأ دور الوكالة الحضرية على ضوء قانون 12-66، خاصة وقد مرت عليه عدة شهور منذ شتنبر 2016 دون صدور مراسيم تطبيقية له؟

- في البداية يجب الإشارة إلى أنه منذ دخول حيز التنفيذ سنة 1992 للترسانة القانونية المؤطرة للعمران (قانون 90-12 المتعلق بالتعمير والقانون 90-25 بشأن التجزئات العقارية والمجموعات السكنية)، دائما ما كان يؤاخذ عليها ضبابية منظومة المراقبة وزجر المخالفات، حيث يعزو الكثيرون هذه المؤاخذات كون عملية المراقبة يتقاسمها العديد من المتدخلين (السلطة المحلية، الجماعة الترابية والوكالة الحضرية)، وكذلك كون المنظومة القانونية للتعمير تتميز بعدم ''الليونة''، مما يشجع على البناء والتجزيئ خارج القانون.

وهكذا فإن قانون 12-66 المتعلق بالمراقبة وزجر المخالفات في التعمير والبناء المصادق عليه في شتنبر 2016 جاء ليرفع اللبس ويحدد المسؤوليات.. ورغم كل ما صاحبه من نقاش وشد وجذب بين السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير وبعض المهنيين، يبقى هذا الإطار القانوني في نظر العديد من المتدخلين، مؤسسا لعلاقات جديدة، حيث يقدم توضيحات حول المخالفة، ومهمة المراقبة الموكولة للضابطة القضائية ومفتشي التعمير المعتمدين من طرف السلطة المحلية، كما أتى هذا القانون برخص الإصلاح، الهدم وتسوية الوضعية (permis de réparation, démolition, de régularisation ou de mise en conformité)   ومسك دفتر الورش للتتبع والرصد (tenue de cahier de chantier)  

وبالتالي فإن دور الوكالة الحضرية سيبقى قائما في مراقبة المخالفات واحترام المقتضيات القانونية المؤطرة لعملية التعمير والبناء، وذلك في انتظار صدور المراسيم التطبيقية لقانون 12-66، لأن من بين الأهداف التي أتى بها القانون تعزيز طرق وسبل المراقبة بإحداث مهمة اليقظة الممثلة فيها الوكالة الحضرية إلى جانب السلطة الإدارية والمجلس الجماعي، بالإضافة إلى مهمة المراقبة التي تشمل معاينة المخالفات وتحرير المحاضر بشأنها وإحالتها على الجهات المختصة.

 + ألا تعتبر أن آلية الاستثناء حدت من فعالية الوكالات الحضرية على مستوى التخطيط والتدبير الحضريين على حد سواء؟

- مع مجيء حكومة التناوب، وفي إطار خلق دينامية اقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار، وبحكم بطء وتعقيد عملية إعداد وثائق التعمير، اعتمدت السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير آنذك آلية الاستثناء من أجل مواكبة المشاريع الاستثمارية والاستجابة إلى متطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ورغم تأطيرها بأربع دوريات بين-وزارية (1999، 2001، 2003 و2010)، إلا ان ألية الاستثناء بقدر ما أتاحت مرونة في دراسة ملفات تراخيص البناء، بقدر ما تجدر الإشارة إلى أن العديد من المناطق الرمادية تُسَيِّجُ هذه الممارسة من حيث التأثيرات الجانبية لهذه الألية على مستقبل المدن. ويتعلق الأمر هنا بالتوسع العمراني وتآكل الاحتياط العقاري، والمرافق العمومية والاستدامة البيئية. كما أن جميع التقارير حول ''آلية الاستثناء'' المنجزة من طرف الهيئات الدستورية (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المجلس الأعلى للحسابات) والدراسات المنجزة من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير والباحثين، تشير إلى ضعف تفعيل المشاريع المستفيدة من الاستثناء، كما أن المساهمات نظير الاستثناء غير مؤطرة، إلى جانب كثرة المشاريع العقارية على حساب المشاريع ذات القيمة الاقتصادية (الصناعة والسياحية).. وبالتالي فإن تجربة ''آلية الاستثناء في التعمير'' تعاكس التوجهات الاستراتيجية للتهيئة العمرانية، وتضع المدينة أمام تحديات متعددة الأبعاد (التمدد العمراني، التمويل وربط التجهيزات، والتنقل الحضري...)، مما يضرب في العمق عملية التأطير العمراني، والتي يتوخى من ورائها الفعالية الاقتصادية، الإدماج الاجتماعي، والاستدامة البيئية .

إذا كان يُحسب ''لآلية الاستثناء في التعمير'' تعبيد الطريق لممارسة ظلت لسنين طويلة في المناطق الرمادية، إلا انه ينبغي لنا أن ندرك، أنه مع مرور الوقت، أصبحت هذه الآلية محط انتقاد الكثير من الفاعلين، على مستوى المسار الذي اتخذته كبديل عن مراجعة وثائق التعمير.. ولا غرابة أن مدنا كبرى انتهت صلاحية وثائقها التعميرية منذ فترة طويلة (طنجة، فاس، مراكش...). وبالرجوع إلى الدراسة المنجزة من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي سنة 2014 فإن ٪58 من المشاريع تم الترخيص لها في إطار الاستثناء.. وبحكم أن المساحة العقارية الإجمالية التي تعبئ سنويا للتهيئة والبناء هي 3500 هكتار، فإن  أكثر من 20000 هكتار تم الترخيص لها عبر  آلية الاستثناء  بين عامي 2003 و2013 بمعدل 2000 هكتار سنويا. مما يطرح أكثر من تحد، ليس فقط على فعالية الوكالة الحضرية، بل على السياسة العمومية في مجال التعمير ومدى جدوى التعمير القانوني في ظل آلية الاستثناء التي أريد لها أن تكون أداة انتقالية لتجاوز صرامة التخطيط الحضري المعياري، وإذا بهذا الأخير أصبح رهينة للاستثناء. إن الاستمرار في إنتاج المدينة من خلال آلية الاستثناء هو رهن لكل الفرص لجعل المدينة شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.