السبت 22 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

د .تدمري عبد الوهاب: خلاصات لبعض اللقاءات والمشاورات مع بعض من يحمل هموم الريف والوطن.

د .تدمري عبد الوهاب: خلاصات لبعض اللقاءات والمشاورات مع بعض من يحمل هموم الريف والوطن. د .تدمري عبد الوهاب

من خلال  زيارتي الأخيرة لمدينة الحسيمة ،وبعد لقائي بكثير من الأصدقاء القدامى والجدد  من أبناء الريف ،سواء من القاطنين بالاقليم او من المهجر.ورغم اني لم اتمكن من الالتقاء بباقي الاصدقاء والرفاق نظرا لضيق الوقت ،او لكونهم كانوا خارج الإقليم  لأسباب خاصة مرتبطة بالعطلة الصيفية.. إلا أنه يمكنني القول اني لمست لدى الجميع  غيرة كبيرة على الريف وكل الوطن ،رغم تذمرهم مما الت اليه الاوضاع ،وما يمر به الريف بشكل خاص من مرحلة دقيقة  تطبعها تداعيات ما عاشه الريف من احتجاجات  مطلبية سلمية وحضارية ،وما استتبع ذلك من اعتقالات  ومحاكمات صورية لنشطاء الحراك مع إصدار أحكام  جائرة  في حقهم، و حصار ممتد في الزمان  لكل المنطقة .

كما أن تذمرهم هذا ليس مرتبطا فقط بما سردنا من أوضاع ،بل كذلك لما نتج عنها من انتشار لقيم  مرضية و تحريفية  دخيلة على موروثنا الثقافي والحضاري والنضالي .

قيم تروم الى القطع مع كل التراكمات والتضحيات النضالية السابقة ،بل تعمل على تبخيسها وتحقيرها  .

قيم تسعى لأن تستمد مشروعيتها  من الزعيم التاريخي لحركة التحرر العالمي ،وليس للريف وحده ،والذي تعمل جاهدة على تحفيظه  وجعله ملكية خاصة وإنكار حق الآخرين في موروثه النضالي.وذلك باعتماد 

 قراءة سطحية ومغلوطة للذاكرة والتاريخ ،تستحضر العناوين الرئيسية فيها  دون الإلمام بالتفاصيل والحيثيات والسياقات التاريخية التي أنتجتها. قيم تكاد تجعل من" الروافة " شعب الله المختار الذي منه تشرق الشمس واليه تغيب  ، قيم تختزل الريف في اللسان  و تفصله عن مكنوناته الثقافية والاجتماعية  والتاريخية التي تجد أصولها في المجموعات القبلية الأمازيغية الثلاثة الكبرى المكونة للنسيج الاجتماعي لعموم الريف الكبير  وهم قبائل غمارة  وصنهاجة و زناتة التي تم تعريب جزء كبير منها اضافة الى بعض المجموعات العربية التي تم استقدامها في مراحل تاريخية وانصرت في البنية الثقافية لأهالي الريف.وذلك

 بكل ما يحمله هذا الغلو في التعبير عن الذات من تجن على التاريخ وباقي القبائل  الامازيغية في اصولها الغير الناطقة بالريفية والممتدة على كامل جغرافية الريف التاريخي، و تبخيس تضحياتها في المقاومة التى احتضنت المشروع التحرري للامير المجاهد محمد بن عبد الكريم .حيث يمكن القول أن الكثير منهم لا يعلم أن معركة بني حسان على مشارف شفشاون لاتقل أهمية عن معركة أنوال،فإذا كانت الاخيرة قد حسمت المعارك في الريف الأوسط والشرقي، فإن الأولى قد حسمتها في الريف الغربي. وكثير منهم لا يعلم أن علم الجمهورية بقي يرفرف عاليا على اسوار قلعة وطى حمام حتى سنة ١٩٢٧ تحت قيادة القائد خريرو من قبيلة بني حزمار ،أي بعد سقوطه بسنة في الريف الأوسط، وهو من طالب الأمير المجاهد بالالتحاق به إلى جبال شفشاون بعد أن اشتد الحصار على اجدير.

قيم تروم الى إحداث قطيعة مع ما شهده الريف من نضالات وانتفاضات دورية متعاقبة منذ عقود من الزمن ومع مجمل التراكمات النضالية التي أحدثتها والتي ساهمت في ارتفاع منسوب الوعي لدى اهاليه.

قيم تروم     إلى تبخيس الفكر والتحصيل العلمي ،وتجعل من كل من لا يتقن الكتابة والقراءة زعيما عبر تقنية اللايف ، ونموذجا للاجيال الصاعدة ، بمعنى دعوة صريحة الى العودة الى زمن الحكاية الشفوية التي يغلب عليها طابع الفرجة والإثارة  والخرافة  حتى وان كانت لا تخلو  من السب والقذف والتخوين والتشكيك ،وكأننا نؤكد نظرية الكثير من الأنثروبولوجيين في حق أهل الريف في بداية و أواسط القرن الماضي مع فارق في الزمن هو اننا في القرن  الواحد والعشرين.   في  مقابل   معاداة  التدوين والكتابة  العلمية والمسؤولة التي من خلالها يتشكل التراكم المعرفي الضروري لتقدم الشعوب والمجتمعات.

قيم تحمل الشيء ونقيضه ،تبخس التنظيم وتسعى إلى تأسيسه.

قيم تخون الأحزاب والجمعيات وكل عمل منظم بشكل قطعي وكلى،  وتطالبها في المقابل  بالتضامن والمؤازرة.

قيم  تخون الاختلاف  وتعدمه  الى درجة التكفير ،وتطالب في نفس الان بالوحدة والتضامن من أجل مصلحة الريف.

قيم تنظر للعدمية والتطرف والكراهية ونبذ  الاختلاف بل ومعاداته.

  هذا ما توصل إليه الكثير ممن التقيتهم وتناقشت معهم،  بل اكثر من كل هذا وذاك،  أن هذا النوع من الوعي المشوه الذي يحمله بعض من يدعي تمثيله للحراك هو من ساهم في إبعاد جزءا كبير من النخبة الريفية من واجهة الاحداث، اما خوفا من ان تتهم بالركوب على الحراك، او يتم الهجوم عليها وتشويه صورتها والتشهير باعراضها ،فكل شيء مباح بالنسبة لم يتمثلون هذا النوع من القيم الهجينة  المرضية،وذلك من أجل    الانفراد بما تعتبره ملكا لها .هذا في الوقت الذي كان الريف في أمس الحاجة  لكل ابنائه وبناته وبالاحرى الى نخبه الفكرية والثقافية والحقوقية. يمكن انها هذه القيم قد  استبعدت الفكر النقدي والموضوعي لما نعيشه من أوضاع وأحداث، في مقابل التطبيل والتهليل  لكل ما من يضع نفسه رهن إشارة تصورات    الموالات والقطيع .

لكن السؤال بعد كل هذا الامتعاض ، وعدم الرضى عن ما الت اليه الاوضاع ، يكمن في: هل يمكن اعتبار أن هذا الانكفاء للنخب الريفية  له ما يبرره في ما سبق أن ذكرناه؟.

ام كان من الواجب عليها أن تتدخل وتنخرط بشكل عضوي  في ما يهم المجتمع من قضايا ،وما يمر به من أحداث وإبداء رأيها   و مقترحاتها لحل الأزمة ،  و المساهمة الفكرية والسياسية  في ما يعيشه الريف وكل الوطن من أحداث ،والتنبيه الى الاخطاء والممارسات الغير المفكر فيها بالنسبة للحراك، ونقد الدولة المخزنية في ما ذهبت إليه من مقاربات قمعية في حق نشطاءه وفي  حق المنطقة وما تعيشه من حصار أمني وعسكري  لا يزيد الوضع الا احتقانا وتفجيرا يرفع من منسوب الكراهية ازاءها  وازاء مؤسساتها.وبالتالي كان عليها،وأعني النخب، أن تتدخل حتى وان تعرضت للتشهير والتخوين من بعض من نصبوا انفسهم اوصياء جدد على الحراك ، او حتى ان تعرضوا للمضايقات والحصار الإعلامي  والتهديد من طرف غلاة الدولة المخزنية  ،  لان المرحلة حساسة ودقيقة ومصلحة الريف والوطن فوق أي اعتبار شخصي ،وأن  الجهر بما يراه المثقف المرتبط بقضايا المجتمع  حقا  هو التزام ادبي واخلاقي، ولا يهم ان يعجب الدولة أو يعجب الأوصياء الجدد على الحراك . لكن التعبير عن المواقف المناسبة في اللحظات التاريخية  المفصلية  من طرف النخب الريفية المنخرطة عضويا في مجتمعها   ورغم ما يمكن أن ينتج عنها من تشنجات  لحظية انفعالية  ،ومقاومة عنيفة من البعض سواء من داخل الدولة المخزنية او من داخل الحراك، الا انها  هي الوحيدة التي يمكن أن تخلق تراكما  فكريا   يتنفس من نبض الشارع  وما يتوق اليه من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية ،وحتى وان لم يعطى حقه في هذه المرحلة  ،إلا أنه  سيشكل لا محالة  في المستقبل سلاحا معرفيا يحصن الشباب من ثقافة التخوين والتبخيس  والتشكيك، ومن ثقافة الكراهية  وإقصاء الرأي الآخر،  ويقوم الوعي الجمعي  لديهم بعد كل ما لحق به  من  خدش وتحريف  وتشويه  ،من طرف البعض .كما سيشكل مرجعية فكرية وعلمية للاستفادة منها ومن باقي التجارب والكتابات  السابقة من اجل عدم تكرار نفس الأخطاء.،سواء في علاقاتنا الافقية   او العمودية  في إطار عملية تدبير الصراع مع الدولة المخزنية التي تحتاج إلى نفس طويل وشاق، وتحتاج الى توظيف كل مجهوداتنا وطاقاتنا بالداخل و الخارج ، ميدانية وفكرية واقتصادية .

لكن مع الاسف وهذا ما تعترف به الكثير من النخب الريفية والوطنية،  أنها كانت دون انتظارات المجتمع سواء محليا او وطنيا ، وأنها ،اما انسحبت  بصمت  وهدوء ،او  تنصلت من مسؤولياتها التاريخية ازاءه  اما  حفاظا على موقعها الرمزي وحتى لا يشملها غضب الدولة المخزنية  ، او خوفا من ان  تطالها سهام التبخيس والتخوين  من طرف البعض ممن نصبوا انفسهم اوصياء على الحراك الشعبي.

في كل الحالات يمكننا القول ان  الحراك الشعبي  قد اظهر بشكل جلي ما تمر به الكثير من  النخب الفكرية والسياسية  بالريف والمهجر  وكل الوطن ،من ضعف وأزمة تستدعي الوقوف عندها بشكل متأني في  نقاشاتنا المستقبلية.   لكن يمكن القول كذلك ،أنه وبعد كل ما أفرزه الحراك من تداعيات ميدانية ، اتسمت بجسامة التضحيات  وغياب شبه كلي للمكتسبات ،  وكذى  النقاشات الصاخبة  التي صاحبته والتي خاضتها بعض الفعاليات الديمقراطية  التي صمدت في وجه التيار العدمي ، الذي كان جارفا في لحظات معينة  ، ومؤثثا للحراك خاصة بأوروبا ،ساعده في ذلك تغول الدولة المخزنية ، وما نتج عن كل هذا المخاض   من  اصطفافات جديدة تميل موازينها الآن لصالح قوى الفعل الديمقراطي، سواء بالريف او المهجر ،انه ان الاوان    لاستجماع النخب الفكرية الديمقراطية بالداخل والخارج   من أجل الانخراط،  الى جانب فعاليات ديمقراطية وطنية اخرى، في صياغة  مشروع مجتمعي جديد قائم على تعاقدات اجتماعية وسياسية تؤسس للدولة الديموقراطية المتعددة، يكون مدخلها  مصالحة سياسية واجتماعية حقيقية ، قائمة  على مبدأ العفو العام على جميع المعتقلين السياسيين  من نشطاء الحراك الشعبي  ، بالشكل كذلك  الذي سيؤهل الريف لأن يكون حاضرا كقوة اقتراحية ضاغطة في  أي سيناريوهات محتملة مقبلة ، تقرر في مستقبل الريف وكل الوطن، وشريكا حقيقيا في صناعة وصياغة القرار الوطني وبما يمكنه من حقه في تدبير شؤونه بنفسه.

هذا ما خلصت اليه مجمل النقاشات التي خضتها مع رفاقي واصدقائي وصديقاتي سابقا او خلال زيارتي الاخيرة للحسيمة او من خلال المشاورات الهاتفية التي  أجريتها مع البعض من الفعاليات الوطنية والجهوية    أو مع البعض ممن قاموا بزيارتي في مدينة طنجة.