الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: أخلاقيات مهنة الصحافة بالمغرب.. حتى لا ننسى

جمال المحافظ: أخلاقيات مهنة الصحافة بالمغرب.. حتى لا ننسى جمال المحافظ، كاتب صحفي

يقول أحد المؤرخين البارزين "لوكان الموتى يتكلمون لكان التاريخ عبارة عن أكاذيب سخيفة". واعتاد المغاربة على أقوالهم المأثورة  ذات الدلالات العميقة "تقدر تكذب على الميتين ماشي على الحيين"، أي "يمكن أن يكذب المرء على الموتى، ولكنه لا يستطيع الكذب على الأحياء"، مناسبة  هذا هو كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن أخلاقيات مهنة الصحافة، من أطراف من داخل ومن خارج الجسم الصحفي، وحتى من أولئك المعروفين بجعل خرق أعراف وتقاليد صاحبة الجلالة مادتهم وتجارتهم المفضلة، خرجوا بدورهم من سباتهم وجحورهم للتنظير لهذه الإشكالية، خاصة على هامش "السجال" الذي رافق انتخاب المجلس الوطني للصحافة مستغلين هذه المناسبة للمطالبة بـ"وضع حد لتطاول وتشذيب" أقلام الصحفيين المستقلين القلائل الذين لازالوا يغردون خارج السرب رغم العراقيل الموضوعة.

ليس الغرض من هذا المقال تحليل هذا "السجال المهني والنقابي" المثار في منابر إعلامية مكتوبة والكترونية ووسائط الاتصال الاجتماعي حول تداعيات "معركة كسر العظام بين الإخوة الأعداء" من أجل التموقع في المجلس الوطني للصحافة وجني المكاسب، أو الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وإنما التذكير "لعل الذكرى تنفع المؤمنين" بمسار تناول إشكالية أخلاقيات المهنة، والذي يعود الفضل في إطلاقه إلى النقابة الوطنية للصحافة المغربية على عهد كاتبها العام محمد العربي المساري ( 1936 و 2015) من استعادة وقائع، غابت أو غيبت من طرف كثيرين.

فإذا كانت النقابة قد ركزت منذ تأسيسها في يناير 1963، على الدفاع عن حرية التعبير والرأي والصحافة عموما، فإن انشغالها بأخلاقيات المهنة، لم يبرز جليا إلا سنة 1993 مع انتخاب المساري كاتبا عاما ضمن توجهاتها شيئا فشيئا، صوب مجالات جديدة فرضتها السياقات السياسية والاجتماعية والتغيرات في اهتمامات الجسم الصحفي، ومنها أخلاقيات الصحافة.

وهكذا يحسب للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، في بداية تسعينيات القرن الماضي، كونها كانت سباقة إلى إثارة العديد من المشاكل الناجمة عن خرق أخلاقيات المهنة من لدن ما كان يسمى بـ"الصحافة الصفراء" التي كانت تستهدف الحياة الخاصة للأفراد خصوصا المحسوبين على المعارضة آنذاك.

 وقد بادرت النقابة في مارس 1993 إلى إنشاء "لجنة أداب المهنة" بعضوية شخصيات إعلامية وزانة منها المهدي بنونة (1919 – 2010) مؤسس وكالة المغرب العربي للأنباء قبل تأميمها، ومحمد العربي الخطابي  (1929 – 2008) وزير إعلام أسبق والصحفي مصطفى اليزناسني، مدير جريدة "المغرب"، لتسهر على إعمال ميثاق شرف، من تسعة بنود، مستمدة من المبادئ الكونية لحرية التعبير وحقوق الإنسان، ومن مقومات العمل الصحفي الهادف إلى الإخبار الصادق والنزيه والموضوعي والملتزم بواجب التضامن المهني أيضا.

وعرف هذا الأمر بعد ذلك تطورا هاما بعد أن قررت النقابة خلال جمعها العام الثالث سنة 1996، المنعقد تحت شعار "احترام أخلاق المهنة وتحسين أوضاع الصحفيين، شرط للنهوض بالصحافة"، إحداث لجنة ضمن لجانها الدائمة تعني بأخلاقيات مهنة الصحافة، تركز عملها على التنبيه والتحسيس ودراسة والرد على الشكاوى والتظلمات التي تتوصل بها، حول ما يعتبر ممارسات مخلة بشرف المهنة.

وتوج هذا المسار الطويل الذي كان يتخلله نقاش عمومي وتنظيم تظاهرات ولقاءات وطنية ودولية، بهدف البحث عن الآلية الكفيلة بالتعاطي مع هذا الموضوع الشائك والمعقد، حيث توج، بتأسيس هيئة وطنية تهتم بحرية التعبير وأخلاقيات المهنة سنة 2002، وذلك بناء على توصية من المؤتمر الرابع للنقابة المنعقد سنة 2000، وهي المبادرة التي شكلت في حينها حدثا بارزا في تاريخ الصحافة المغربية والعربية والإفريقية، بالنظر لأهمية إحداث إطار مستقل من هذا النوع لحماية الصحافة والصحفيين، يكون قادرا من جهة على المساهمة في تطوير الأداء المهني، والدفاع في نفس الوقت عن حرية التعبير، على اعتبار أن أخلاقيات مهنة الصحافة وحرية التعبير وجهان لعملة واحدة ولا تناقض بينهما.

وشكل تأسيس هذا الإطار المدني تحت اسم "الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير" مرحلة متطورة في مجال أخلاقيات المهنة على المستوى الوطني. كما اعتبرته كافة الفعاليات في حينه، تقدما نحو معالجة هذه المسألة بطريقة أكثر نجاعة، تستلهم تجارب الدول الديمقراطية، وتتوجه باستقلالية نحو معالجة قضايا الصحافيين انطلاقا من تعهدات والتزامات يعملون بأنفسهم على وضعها واحترامها في نفس الوقت، دون إتاحة الفرصة لأطراف خارج المهنة، لإيجاد تبريرات وتوجهات تتناقض مع مبادئ حرية التعبير.

وغير أن تشكيل هذه الهيئة التي تم تنصيب أعضائها في 19 يوليوز 2002 بأحد فنادق مدينة الرباط لم يكن يسيرا، بل تطلب تأسيسها جهدا ووقتا طويلين ونقاشا عميقا ومسؤولا، فرضه طموح المهنيين إلى تأسيس إطار مستقل، اختار الصحفيون عن طواعية، أن تمثل فيه الهيئات الحقوقية الأكثر حضورا وتمثيلية ومصداقية لدى المجتمع والرأي العام، بشكل يجعل من معالجة أشكال أخلاقيات الصحافة، مسؤولية مشتركة.

وإذا كانت الوظيفة الأساسية للهيئة  قد حددت في رصد الإختلالات المهنية، وتقويم الأداء المهني، والتصدي التلقائي في نفس الوقت للانتهاكات التي تطال حرية الصحافة والتعبير، فان آراءها وقراراتها، كانت تكتسي قيمة اعتبارية استمدها من الثقة ومن الإجماع اللذين يحظى بها أعضاؤها من طرف المهنيين والفاعلين والرأي العام، وذلك بوصف الهيئة سلطة أخلاقية ومعنوية داخل أسرة الصحافة.

   وإجمالا فإن الهيئة كانت تتوفر على دورين رئيسيين: حمائي وجزائي، يتمثل الأول في حماية وتمنيع وتحصين الأداء المهني، في حين يتعلق دورها الثاني الجزائي، برد الاعتبار للمستهدفين بكل تصرف مخل بأخلاقيات وآداب المهنة، مع تعهد الصحافيين المغاربة بناء على ذلك بمزاولة مهنتهم بكامل الدقة والموضوعية، والالتزام بحق الجمهور في الإطلاع على مختلف الأحداث والحقائق والآراء، مع ضمان حق الصحافة والصحافيين في الولوج إلى مصادر الأخبار والمعلومات ومعالجتها بحرية، وتداولها وبثها بدون إكراه وعراقيل.

فالهيئة وميثاقها يؤكدان على أنها ليست بديلا عن القضاء، كما أن وظيفة القضاء بدورها لا تلغي ولا تحد من صلاحيات الهيئة بوصفها إطارا مستقلا بذاته، فهي غير تابعة لأية جهة سياسية أو حزبية، ولا لأية وصاية حكومية أو طرف من أي جهة كانت. وتتضمن ديباجة ميثاق الهيئة التي يستند عملها على ميثاق للأخلاقيات يستمد مقوماته من المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، ومن بنود الدستور الذي ينص على حرية التعبير والرأي، تجديد الصحافة المغربية إرادتها والتزامها بمواصلة العمل من أجل تعزيز حرية الرأي والتعبير، وإقرار حق المواطن في إعلام تعددي حر ونزيه، قائم على قواعد احترافية عصرية، باعتبار أن ذلك أحد شروط بناء حياة ديمقراطية مستقرة.

وقد تعثر مسار الهيئة، التجربة الفريدة، في مجال التقنين والتنظيم الذاتي، بسبب عدة عوامل، كان أبرزها كما جاء في إحدى مداولات الهيئة نفسها وتقارير النقابة " تقاعس بعض مكونات هذا التنظيم، عن الالتزام بالحضور والمتابعة" خاصة الأعضاء الذين انتدبتهم فيدرالية الناشرين، حيث اكتفى جلهم بالحضور فقط لالتقاط الصورة الجماعية التي تؤرخ لحفل تنصيب الهيئة بالإضافة لانفراد هيئتهم باعتماد ميثاق للأخلاقيات يتضمن بنودا غالبيتها تمثل قيودا على حرية الصحافة والتعبير، أكثر منها حماية لأخلاقيات المهنة وصيانة حقوق الصحفيين المهنيين. وهو ما شكل خرقا للميثاق الذي سبق أن وقعت عليه مع كافة الهيئات المشكلة للهيئة، وهو ما رأى فيه البعض مسعى للتخلص من هيئة مستقلة وازنة وربما مزعجة.

وفي سياق الجدل الدائر حاليا حول الأخلاقيات التي يلجأ لها البعض خلال الأزمات فقط، يصبح من المفيد التذكير بتشكيلة "الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير" التي كانت تتألف من 23 عضوا:

ثلاث شخصيات مستقلة هم: محمد مشيشي العلمي الإدريسي أستاذ جامعي رئيسا وزكية داوود صحافية مديرة مجلة لاماليف و الخضير الريسوني: كاتب صحافي واذاعي. وعن الهيئات والمنظمات الحقوقية كلا من عبد الرحيم بن بركة نقيب المحامين بالرباط عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب وعبد الرحمن بنعمرو النقيب سابق محام بهيئة الرباط، عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعبد الصمد المرابط محام بهيئة الرباط، عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان وعبد الله الولادي محام بهيئة الدار البيضاء، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وأحمد أبادرين: محام بهيئة مراكش، رئيس لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان.

 وعن النقابة الوطنية للصحافة المغربية كلا من الصحافيين فاطمة بوترخة (وكالة المغرب العربي للأنباء) ومصطفى الزنايدي (السياسة الجديدة) الطيب العلمي (الإذاعة الوطنية) وعبد الله العمراني (التلفزة المغربية) وفاطمة الوكيلي (القناة الثانية) وشفيق اللعبي (أسبوعية لافي إيكونوميك) وعبد الناصر بنو هاشم (القناة الثانية) وجمال المحافظ (وكالة المغرب العربي للأنباء) مقررا عاما.

      أما فيدرالية الناشرين بالهيئة، فكان يمثلها  كلا من عبد المنعم دلمي المدير العام لجريدتي الصباح وليكونوميست رئيس الفيدرالية ومحمد الإدريسي القيطوني: مدير جريدة (لوببينيون) ومحمد البريني مدير جريدة (الأحداث المغربية) ومحمد السلهامي مدير أسبوعية (ماروك إيبدو) وفاطمة الورياغلي مديرة أسبوعية "فينانس نيوز". وعن هيئات المجتمع المدني كلا من رشيد الفيلالي المكناسي (أستاذ جامعي) عن الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة (ترانسبرنسي المغرب) ونجيب خداري صحفي وشاعر عن اتحاد كتاب المغرب.

 ومن المفارقات أيضا ان أحد عوامل تعثر الهيئة فضلا عن عدم تمكنها في لحظات كثيرة من توفير النصاب القانوني لاجتماعاتها لغياب ممثلي فيدرالية الناشرين وعدم توفرها على أي دعم لوجستي للقيام بعملها، كان طرح مشروع " المجلس الوطني للصحافة" سنة  2007 في الدقائق الأخيرة من ولاية حكومة الوزير الأول ادريس جطو، ووزير الاتصال نبيل بنعبد الله، وهي المبادرة التي ربطت أنداك بإصلاح قانون الصحافة والنشر وقانون الصحفي المهني، المشروع الذي توقف بشكل نهائي منذ ذلك التاريخ في ظل الخلاف بين الحكومة والنقابة خاصة حول العقوبات السالبة للحرية وبعض مضامين قانون الصحفي المهني. وقد تم تجميد هذا المشروع طيلة عهد حكومة الوزير الأول عباس الفاسي، الى أن تم اقرار قانون المجلس سنة 2016.

إن استعادة هذه الوقائع، تهدف بالدرجة الأولى إلى التذكير بان طرح إشكاليات أخلاقيات المهنة، كان أولا بمبادرة من الصحفيين أنفسهم، ولم ينطلق مع صراع من أجل تموقع في المجلس الوطني للصحافة أو مع محاولة ركوب موجة أخلاقيات المهنة من لدن أطراف ساهمت بطريقة أو بأخرى في الإجهاز على تجربة الهيئة التي لم تتم الاستفادة منها.