الجمعة 16 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: خطاب الدولة الاجتماعية وحياد المشروع الحداثي

مصطفى المنوزي: خطاب الدولة الاجتماعية وحياد المشروع الحداثي مصطفى المنوزي
خلال تتبعي لنص خطاب العرش ، لمح بصري صفحة من بين اوراق الخطاب  لم تقرأ ، واعتبرت الامر مجرد خداع البصر او أنها إحالة على متخيل لا يصادر على مطلوب البياضات الضرورية ... ولكن تسلسل الرسائل اكد ان  المؤسسة الملكية  استردت من الحكومة  المبادرة فيما يخص  البعد الإجتماعي  الذي  " تجاوز "  سقف السياسات العمومية ، وعبر تدابير تنفذها تحت اشراف الملك ، الشيء الذي لمحنا له وحذرنا  من تداعيات خطب بعض أهل الحراك  مرارا ، يوم قالوا  بشبهة الوساطات ، وقلنا  بما يعني  عودة الملكية التنفيذية بشكل اقوى ، المعنى في خطاب عيده لم يكن صريحا بما يكفي ، فهو  موجه الى  نخب معينة ومسؤولين  داخل الدولة والأحزاب  ، يحترفون منهجية فرز وفك  المرموزات ؛  ويمكن ان نقوم بتمرين  ونقارن بين خطابي العرش الاخيرين ، وبوعي  تام ان بعض مفاتيح كل خطاب توجد في الآخر  ؛ فإذا كان   خطاب السنة الماضية  مجرد  إفتحاص سياسي ذاتي  ، وورقة  تبريرية و مؤسسة  لما سيتخذ من تدابير  ،  فإنها  تضمر  إعتراف  المؤسسة  الملكية  بأن  الدستور  يمنحه  حق  الحلول  محل اي مؤسسة  دستورية لا تقوم بواجبها   ؛  وهو  إقرار  بتحمل المسؤولية  المعنوية في كل ما يجري  من فساد  وشطط في استعمال السلطة ، بصفتها  الرئاسية للدولة  وجميع موظفيها  ومواطنيها ،  وعندها قلنا بأن هذا يقتضي  إرادة حقيقية  لمواصلة  تفعيل  الدستور   بمقاربة  عقلانية  تنطلق من إعمال  الخيار  الدمقراطي  كتابث  ثالث  ،  لأن الفساد  صار  هيكليا  ينخر   الذات  ، ولن  ينفع معه  التأهيل ولا التهذيب  ولا حتى التأديب  ،  وركزنا  كحقوقيين بمقاربة سياسية على انه  ينبغي معه  بذل مجهود حقيقي  لمواصلة  ترسيخ ضمانات وتدابير   القطع  مع  تركة الماضي  ، الحافل   بترسبات  ومؤشرات   السكتة القلبية  والتي كان من بين عواملها  المهيكلة  المس باستقلالية  القرار الحزبي  والتخلي عن السيادة الوطنية   المالية  والإقتصادية ، مما يستدعي  رد الإعتبار   لمطلب  التحرر  والدمقراطية ، فلا  تحرر  ولا دمقراطية  إلا  بأحزاب  تحررية ودمقراطية و ذات سيادة  ومستقلة بذاتها . 
وهاهو خطاب هذا العيد  ، وبعد سنة من التفاعل والاحتكاك والصدام المادي او اللفظي احيانا  ، تم إقرار الملك  بكل ذلك عندما  أعلن على أن   تدابير  معالجة الازمات المرتبطة بالتنمية الاجتماعية  شأنا  استراتيجيا  ، اي  ان الجانب التنفيذي عاد بقوة   من اجل التصدي " للهاجس الانتخابي "  بمقاربة  تروم العودة الى بداية  العهد  ، يوم كان التنافس على اشده حول الشرعية الاجتماعية، بين مقاربتي التنمية والإحسان  ، وبخلفية   الانتصار  لتملك زمام الأمور  على مستوى الشرعية الإجتماعية  ، وما  إطلاق الإشارة لانطلاق الشوط الثالث من  المبادرة الوطنية  للتنمية بالبشرية  بتاهيل الموارد البشرية توازيا مع تجديد النخب  وتشبيب  القيادات  ،  إلا ان  ناقوسا  لمن يوظف " الحماية الإجتماعية " قد دق ، وكذلك دق  في إتجاه توظيف الازمة الاجتماعية   ، وحان الوقت الى ان   تصير  شأنا سياديا  وبرقابة  " دولتية " مواكبة ،  ومؤشر  الإشادة بدور الأحزاب  " الجدية "  لا ينتقص من العتاب الموجه  للعمل  الحكومي  ، الذي هو في جوهره  حزبي ، ليطرح السؤال  حول مصير  محاسبة  السياسات العمومية  مستقبلا  ،  في ظل  تعبير الخطاب  الضمني عن ممارسة نقد الذاتي كفضيلة ، لكن مجردة عن سياق  المشروع الحداثي الديموقراطي كفلسفة تؤطر كل التسويات والتعاقدات ، والتي اندثر صداها ووقعها  الثقافي منذ  حراك 20 فبراير 2011 ، رغم محاولة الاستدراك  الدستوري  ، الذي حاول فتح إمكانية خلق التوازن بين الدمقراطتين التمثيلية والتشاركية  ، البرلمان مقابل  مؤسسات الحكامة لتولي ادوار الرقابة و المساءلة   ، فبعلة تفادي الشعبوية الانتخابية  و معها القلاقل  المحتملة  ، تم صياغة خطاب اليوم ،  والحال ان هناك مفارقة صعبة جدا  ، وهي انه  قد تشكل قفزا على  تراكم الحس  الديموقراطي  ، بجرة  قلم ، رغم  جنينيته  وسقفه  الصناديقي  المحض  ، أي  بخلفية الواجهة الإقتراعية   وفق الخريطة السياسية المفترضة  ،  مما يستدعي  تحرك  قوى التغيير  بحثا  عن صياغة  بدائل ،  مشروعا او عرضا سياسيا ،  اي بلورة  سياسة حزبية   جديدة  تعيد للبعد الاجتماعي  ألقه  وجدواه  ،  وهذا أكبر تحدي  جلي ، خاصة أمام أنصار  الخيار الثالث  الذين  عليهم ، وبعقلانية المرونة والسياسة ،  إعداد  مخارج  لأزمة نظام سياسي  يهدده  ما يجري في المحيط  ،  يحتاج الى  أحزاب ديموقراطية قوية  وقادرة على حماية  البعد الحقوقي في الدولة الإجتماعية  المسؤولة ، فهل ما  هذا يقصده الخطاب الملكي من ضرورة التعاقد إجتماعيا ؟